فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 514

يقول المولى عز وجل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، وقال تعالى: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} ، وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه صلى الله عليه وسلم قال: (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، فطوبي للغرباء ) ).

قال ابن القيم رحمه الله: (بل الإسلام الحق الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عليه هو اليوم اشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة) .

فالإسلام الحقيقي غريب جدا وأهله غرباء اشد غربة بين الناس ...

فما اشبه الليلة بالبارحة، وما اشبه غرباء اليوم بالغرباء الأولين ... بل غرباء اليوم اشد غربة من الغرباء الأولين في صدر الإسلام ...

فالآلهة قد زادت، والأعداء قد تجمعوا وتكاتفوا، والباطل قد اتخذ صورا يضاهي بها الحق ويشاكله.

فالحق لا يُعرف بكثرة اتباعه مهما بلغوا، وما كان العدد الكثير ولا الجمع الغفير في يوم من الايام - ولن يكون - دليل صحة وصواب، كما يحلو للبعض أن يردد ويزايد على الغرباء في هذا الزمان أنهم قلة لا يؤبه لهم، وان الناس لا تتبعهم وتنفر منهم، وتُعرض عن دعوتهم!

فهذا منطق أهل الأرض الذين اخلدوا لمقاييسهم الأرضية التي استقوها من المبادئ البشرية ومن واقع الناس المريض، وتحت ضغط الجاهلية المعاصرة بعيدًا عن منهج الله.

فأغلب الناس يعرض عن أهل الحق وينفر منهم، بل ويناصبهم العداء ويعلن عليهم الحرب، وهذه سنة الله في الدعوات واصحابها، سنة ربانية لا تتبدل {فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا} .

فقلت لها إن الكرام قليل ... تعيرني أنا قليل عدادنا

ومن اوصاف أهل الحق، ما اخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال فيهم: (( ... الذين يصلحون حين فساد الناس ) )، فإذا فسد الناس وانتشر الشر وفاحت الرذيلة يعتصم هؤلاء بدينهم ويتمسكوا بسنة نبيهم ويقاوموا تيار الشهوات والشبهات، ذلك التيار العاتي الذي يجرف أمامه الكثير من الناس - إلا من رحم الله - ويتركوا الدنيا لاهلها، فهم يعلمون أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وإنها جيفة نتنة طلابها كلاب، فلا ينافسوهم فيها ... أما هم فيتنافسون في ميدان آخر، ميدان الآخرة {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} .

وقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصف بليغ يعبر اصدق تعبير وأجمله عن حقيقة ما هم فيه، بأنهم (( القابضون على الجمر ) )أخرجه أبو داود والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت