إن من سنن الله تعالى التدافع بين الحق والباطل، قال الله تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين} ، بما شرع لهم من أساليب الدفع، ومنها فريضة الجهاد في سبيل الله، فإن قوام الدين بالكتاب الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، وبالجهاد الذي ينصر الكتاب ويحمي الشريعة، وقد جمع الله بينهما في قوله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} .
قال السعدي رحمه الله:(يقول تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات} ؛ وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيقته، {وأنزلنا معهم الكتاب} ؛ وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب، التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم، وإلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. {والميزان} ؛ وهو العدل في الأقوال والأفعال. وذلك {ليقوم الناس بالقسط} ؛ قيامًا بدين الله، وتحصيلًا لمصالحه التي لا يمكن حصرها وعدها. هذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع، وهو القيام بالقسط، وإن اختلفت صور العدل، بحسب الأزمنة والأحوال. {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} ؛ من آلات الحرب كالسلاح والدروع وغير ذلك. {ومنافع للناس} ؛ وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، حتى أنه قل أن يوجد شئ إلا وهو يحتاج إلى الحديد. {وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} ؛ أي ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد، فيتبين من ينصره، وينصر رسله في حال الغيب. {إن الله قوي عزيز} ؛ أي لا يعجزه شئ، ولا يفوته هارب. ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد، الذي منه الآلات القوية، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه، ليعلم من ينصره بالغيب.
وقرن تعالى بهذا الموضع بين الكتاب والحديد، بهذين الأمرين ينصر الله دينه، ويعلي كلمته؛ بالكتاب، الذي فيه الحجة والبرهان، والسيف الناصر بإذن الله، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط، الذي يستدل به على حكمه الباري وكماله، وكمال شريعته التي شرعها على السنة رسله) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهاتان السبيلان الفاسدتان - سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكلمه بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من اقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين - هما السبيل المغضوب عليهم والضالين. الأولى للضالين النصارى، والثانية للمغضوب عليهم اليهود، وإنما الصراط المستقيم صراط الذين أنعم