الحمد لله جاعل هذه الأمّة خير أمّة أخرجت للنّاس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ورضي لها الإسلام دينا سنامه الجهاد في سبيل الله، وأصلي وأسلّم على النبيّ المصطفى الضحوك القتّال، الذي بعثه الله جلّ وعلا ليقاتل النّاس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صحبه أجمعين صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدّين.
وبعد ...
إنّ المرء ليعجب أشدّ العجب لأمّة الإسلام التي خصّها الله بالخيرية على سائر الأمم، وبعث لها خير خلق الله وخير رسول خير رسول لخير أمّة وخصّها بخصائص لم تكن في أمّة من الأمم السابقة.
قال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يعطهنّ نبي قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت للناس كافّة) .
وقال ربّنا سبحانه وتعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... الآية} .
قال العلامة بن ناصر السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية الكريمة: (هذا تفضيل من الله لهذه الأمّة بهذه الأسباب التي تميّزوا بها وفاقوا سائر الأمم، وأنّهم خير النّاس للنّاس، نصحا، وصحبة للخير، ودعوة وتعليما، وإرشادا، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وجمعا بين تكميل الخلق والسعي في منافعهم بحسب الإمكان، وبين تكميل النفس بالإيمان بالله ... فلهذه الأمّة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلّها، ومن الأعمال أفضلها، ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان ما لم يهبه لأمّة سواهم، فلذلك كانوا {أمّة وسطا} كاملين معتدلين ليكونوا {شهداء على النّاس} بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط. يحكمون على الناس من سائر أهل لأديان، ولا يحكم عليهم غيرهم. فما شهدت عليه هذه الأمّة بالقبول فهو مقبول، وما شهدت عليه بالردّ فهو مردود) [من تفسير السعدي، قوله تعالى: [وكذلك جعلناكم أمّة وسطا] .
فهذه بعض الخصائص التي خُصّت بها هذه الأمّة.
ومن المميزات الرئيسية التي تميزت بها أمّة الإسلام الجهاد؛ ذروة سنام هذا الدين.
فقد كتب الله عليها القتال كما كتب عليها الصلاة والصيام والزكاة والحجّ وسائر شرائع الإسلام، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} .
فالأدلّة النقلية والوقائع التاريخية تدلّ على أنّ الأمّة إنّما تكون عزيزة ممكّنة في الأرض، هادية للنّاس بالجهاد في سبيل الله. فكلّما رجعت الأمّة إلى دين ربّها وإلى طريق الجادّة، كلّما نصرها الله قدر رجوعها إلى طريق الحقّ.
فها هو النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فتح الله على أيديهم، ونصرهم وأيّدهم، وأنزل عليهم المدد في قتالهم مع المشركين والكفار وقتالهم مع المرتدّين بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، لا لشيء إلاّ لأنّهم كانوا عُبّاد ليل وأحلاس خيل، وطلّقوا الدنيا وتهافتوا على الشهادة، فكانوا خير النّاس في هذه الأمّة.
كما قال صلى الله عليه وسلم: (خير النّاس قرني ثم الذين يلونهم ثم ّ الذين يلونهم ... ) .
كيف لا وقد تربوا على يديه هو بأبي وأمّي صلى الله عليه وسلم، فكانت حياتهم كلّها جهادا في سبيل الله منذ أن كتب عليهم القتال.
فها هو خالد بن الوليد رضي الله عنه منذ أن أسلم وهو يقاتل ويصارع الكفار والمرتدّين، يقول - فيما معناه - وهو على فراش الموت: (ها أنا أموت موتة البعير، فلا نامت أعين الجبناء) . وقال يوما: (لأن أبيت ليلة شاتية أصبح بها العدوّ خير لي من أن تُزفّ لي عروس) .
وها هو أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمّة في رجل، حفظ الله به الدين حيث أعلن القتال على المرتدين.
وها هو شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية رضي الله عنه، جعله الله سببا في ثبات المسلمين عند قتال التتار فهزموهم بإذن الله تعالى، وحفظ الله به حوزة الدين، ورجعت الخلافة بعد أن قتل الخليفة في العراق.
فهذه بعض الأمثلة يرويها لنا أهل السير، سطرها لنا أولئك الرجال بدمائهم، فكانوا بذلك أهلا لنصر الله وتأييده قال تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} .
فيا أمّة الإسلام ...
مالك رفعت اليوم راية السلم المخزية، وارتديت رداء الذلّ والمهانة، وتجرّعت من كاس الهزيمة النكراء؟! أما آن لك أن تفيقي من غفلتك؟! ألم تصل إليك صيحات أسود الله؟! لطالما وجّهوا لك النداءات والصيحات من أراضي النزال ... فها هي جيوش الصليبيين واليهود تعيد الكرّة مرة أخرى لغزوك واستباحة عرضك وأرضك، ونهب ثرواتك وخيراتك، ألا ترين ماذا يُفعل بالمسلمين في أفغانستان والشيشان والعراق وفلسطين، وماذا تفعل الأنظمة المرتدّة في المسلمين؟! يا ويح أمّتي ممّا يحاك لها من مؤامرات وهي غارقة في مستنقع اللهو واللعب والشهوات.
يا أمّتي ...
ألم تسمعي لقول نبيّك صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة، واتّبعتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى تراجعوا دينكم) .
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها) ، قلنا: أومن قلّة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: (بل انتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله مهابة عدوّكم منكم، ويقذف في قلوبكم الوهن) ، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: (حبّ الدنيا وكراهية الموت) - أو كما قال صلى الله عليه وسلم -
واعلمي يا أمّة الإسلام؛ أنّ أعداءك لا يرون فرصة إلاّ انتهزوها، ولا يدعون أبناءك حتى يخرجوهم عن دينهم إن استطاعوا، ألا تسمعي قول ربّك: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} .
قال السعدي في تفسيره رحمه الله: (أخبر تعالى أنّهم لن يزالوا يقاتلوا المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنّما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارا بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير، فهم باذلون قدرتهم في ذلك، ساعون بما أمكنهم، {وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ، وهذا الوصف عام لكلّ الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم حتى يردّوهم عن دينهم، وخصوصا أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ ألّفوا الجمعيات، ونشروا الدعاة، وبثوا الأطبّاء، وبنوا المدارس لجذب الأمم إلى دينهم، وإدخالهم عليهم كلّ ما يمكنهم من الشبه التي تشكّكهم في دينهم. ولكن المرجو من الله تعالى الذي منّ على المؤمنين بالإسلام، واختار لهم دينه القيّم، وأكمل لهم دينه أن يتمّ عليهم نعمته بالقيام به أتمّ قيام، وأن يخذل كلّ من أراد أن يطفئ نوره، ويجعل كيدهم في نحورهم، وينصر دينه، ويعلي كلمته) اهـ.
فيا أمّة الإسلام - علماء وعوام، نساءا ورجالا، شبانا وشيبا -
الله ... الله ... في دينكم، الله ... الله ... في جهادكم.
اللّهم اهدي هذه الأمّة وألهمها أمر رشدها، اللّهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل الشرك والمشركين. اللّهم انصر عبادك الموحّدين في كلّ مكان ومكّنهم على أعداءهم، اللّهم بك نصول وبك نجول وبك نقاتل.
وسبحانك اللّهم وبحمدك
أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك
بقلم؛ نوح أبي الأكوع
عن مجلة الجماعة، العدد السابع
الجماعة السلفية للدعوة والقتال
ربيع الثاني، 1427 هـ