يممت في مخيلتي ريعا بالغ الثريّا، فصعدته ممتطيا همتي، حاملا أملا، حتى بلغت ذروته وقد أجهدت، تنفست الصعداء والتفتّ ثمّ نظرت في الأفق حتى توارت بالحجاب فعدت أدراجي في صمت مطبق حتى ولجت كنّي، فكتبت ما رأيت وشاهدت ...
رأيت في كل ناحية من المعمورة أناسا ضعافا بالية ثيابهم على وجوههم وصمة الإذلال، تائهين لا يدرون ما يفعلون، قد أحاطت بهم السباع من كل حدب وصوب كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، رأيتهم يلبسون لباس الوهن والمهانة ويقتاتون الخوف من البطش، ناس رضوا بالإستعباد فصُيّروا عبيدا، وآثروا الهوان على العزّ فأُلبسوا قيودا، تلك أمتي كانت عزيزة فذلّت وكانت سيدة فاستُعبدت، فكرها عن الإدراك قصر، وجسدها قطع منهوشة في حفر، غاب عزّها واندثر، أشربت كأس المهانة فهانت وأغمست في قمامة ثقافة الغرب فاستحالت، أمّة كانت يوما عزيزة بدينها حاكمة غير محكوم عليها، كانت خير أمّة أخرجت للناس.
تلك السباع التي تداعت عليها، سباع خبيثة الطباع، تأكل الجيف والخنزير، وثقافتها الخنا والمزامير، تلك أمم الكفر والردّة تجمعها القيم الفاسدة، والنظرة الحاقدة، قد أحاطت بأمتي تنزع عنها لباساها وتنهش ظهرها وتقتل بالانحلال وليدها.
رأيت يوم صعدت الريع بصيص عزّ صعبت عنيّ رؤيته أول النهار، لكن سرعان ما انتشر وبان في آخره، ازداد نوره وانتشر كانتشار الفجر في صباحه، بصيص انبثق من فوهة بندقية، سمعت حاملها ينادي؛ وإسلاماه ... وأمتاه ... ألا يا خيل الله اركبي ...
هذا الذي نادى لم يكن يشك في أنّ أمتي تمر بحال من الضعف وتسلّط شديد للأعداء عليها، وهي لا تملك من القوة والسلاح ما يمكنها من الدفاع حتى عن نفسها، لكن أدرك أيضا أنّ العودة إلى العزّ واسترجاع الحق المسلوب لا يكون إلا بالتطيّب بالحنوط ولبس الأكفان، أدرك أنّ الطريق إلى تلك الغاية السامية لا يكون إلا على الأشلاء والدماء والجماجم، أدرك أنّ الكلام في المنتديات والتنزّه في الفنادق لا يزيد إلا في وهنها ولا يعيد قلادة المجد لها، قد أدرك الحقيقة ووعاها فاختار طريق الموت، طريق كله موت، أوله موت، وآخره موت، طريق ريحه الحنوط ولباسه الكفن والإستراحة فيه مفارقة الروح الجسد.