قال الله تعالى في آية في غاية الإحكام: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} .
قال زيد بن أسلم: ( {أوفوا بالعقود} ؛ هي ستة ... ) ، وذكر منها: (عهد الله ... وعقد البيع) .
قال الطبري [4/ 61] : (يعني؛ أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتم بها على انفسكم حقوقًا، وألزمتم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتموها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها فتنقضوها بعد توكيدها) !
قال الزجاج: (المعنى أوفوا بعقد الله عليكم ... ) .
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفسيره: (هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالوفاء بالعقود أي؛ بإكمالها، وإتمامها، وهدم نقضها، ونقصها، وهذا شامل للعقود التي بين العبد وبين ربه ... ) .
فإذا علمت أن العبد ملزم بأن يوفي بالعقود التي بينه وربه تعالى.
فاعلم - يا رعاك الله - أن بين الله وعباده عقدًا لازمًا ماضيًا، لا يقبل الله عز وجل أن يقيل عبده فيه، فقال عز وجل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعدًا عليه حقًا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم وذلك هو الفوز العظيم} .
عقد رباني سماوي محكم ماضٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ...
· المشتري؛ هو الله.
· والبائع؛ هم المؤمنون.
· والسلعة المبيعة؛ هي أغلى ما يملك الإنسان في هذه الحياة الدنيا - نفسه وماله -
· والثمن؛ هي جنة عرضها السماوات والأرض.
· وطريقة الأداء؛ تقاتل ... فإما تَقتل أو تُقتل.
· وتاريخه؛ في التوراة وما بعدها.
· والضمان؛ {ومن أوفى بعهده من الله} .
ومع أن الله مالك تلك النفوس - وما هو أعظم منها - إلا أنه تفضلًا منه ومنّة؛ أن اشترى منهم نفوسهم، وأجزل لهم في الثمن، وبشرهم بربح البيع، فما أعظم فضل الله عز وجل.
ولما أن تقرر ذلك للمسلم؛ أرشده الله عز وجل إلى الوفاء بالتسليم، وحضهم عليه ببيان ما لهم فيه من الربح العظيم، فقال عز وجل {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن وذلك الفوز العظيم} .
ثم هو خاطب المقرين بهذا البيع العظيم اللازم، المماطلين بالتسليم؛ معاتبا وموبخا لهم بقرآن يقرأ إلى يوم القيامة: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} .
ثم هو عز وجل حذّر من الإصرار على المماطلة، وتوعدهم على التسويف بعد وجوب النفير، فقال {إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شي قدير} .
وحين حصل أن لم يستطع"بعض"العباد أن يؤدي هذا العقد، ويتمه، لأسباب خارجة عن طاقته، رضي الله عز وجل بأدنى الأداء، وهو"تحديث النفس بالغزو".
ولهذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يغزو أو يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق) !
فمن لم يفعل ذلك؛ ففيه شعبة من نفاق، فهو"وعد فأخلف"!
والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا وعد أخلف، وإذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان) .
فمن لم يغزو وهو قادر، ولم يحدث نفسه بالغزو وهو غير قادر؛ فقد وعد بالأداء فأخلف! وعاهد على الأداء فغدر! وقد اؤتمن على أن يؤدي هذا البيع فخان الأمانة!
أفلا يتقي الله المؤمنون؟!
ألم يأن لأهل الجهاد والاستشهاد أن يوفوا بالعقود؟!
أخوكم؛ أبو سحاب السبيعي
الرابع والعشرين من شهر الله المحرم
لعام 1424 هـ