فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 514

يتقابل الصفان يقتتلان ... الحمد لله الذي جعل الأيام دولًا بعدله، فقال في محكم كتابه المبين: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ، وجعل العاقبة للمؤمنين بفضله، فقال وقوله الحق: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم} .

وصلَى الله على إمام المجاهدين، وإسوة المرابطين، وعلى أصحابه الميامين، دعاة الحق، وهداة الخلق، وقادة الفتح المصاولين عن هذا الدين، ومن تبعهم على مجالدة الكفار والمشركين حتى ترفع راية الموجدين.

أما بعد:

فقد أراد الله سبحانه بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي، الباقي بعد وفاة الرسول صلَى الله عليه وسلَم لقيادة أجيال هذه الأمة، وتربيتها، وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به، كلما اهتدت بهديه، واستمسكت بعهدها معه، واستعلت به على جميع المناهج الجاهلية التي أضحت سيدة الأرض الآن.

ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا - كما كان سلفنا الصالح يفعلون ذلك -

إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى، ولكنه هداية شاملة، ومنارة للتربية كاملة، ونحن حين نقرأه بهذا الوعي سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته توضح لنا سبيل النجاة وطريق السلامة بأوضح صورة وأجلى برهان.

ولقد جاء الكثير من هذه التوجيهات في القرآن بإسلوب قصصي، وذلك نظرًا لما للقصة والمثل المضروب من أثر في النفس، وكان أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم هي قصص بني إسرائيل.

لأسباب عدة منها؛ أن الله سبحانه علم أن أجيالا من هذه الأمة المسلمة ستمر بأدوار كالتي مر بها بنو إسرائيل، وستقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل، فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة، نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم، وعرض عليهم مزالق الطريق مصورة في تاريخ بني إسرائيل، ليعد بها الأمة المسلمة لما هي معرضة له في حياتها من المواقف، وليضمهما إلى ذخيرة هذه الأمة من التجارب بوصفها وارثة العقيدة الإيمانية، ولتكون لهم عظة وعبرة - قبل الوقوع في تلك المزالق أو ولوج مفازاتها من غير معرفة مسبقة توفر للنفوس فرصة اجتناب أخطاء الأمم السالفات -

وبين أيدينا اليوم درس يعرض لتجربتين من تجارب بني إسرائيل، عرضت الأولى؛ حال الأمة في موضع الإحجام، وعرضت الثانية؛ حال الأمة في موضع الإقدام.

والقرآن في الحالتين يقف بالأمة على القضايا والدروس المستخلصة منهما، وينبه قادتها على العلل والعراقيل التي تصادف الأمة وأثر ذلك في تقرير النصر أو الانهزام.

فقد عرض القرآن موقف اليهود وهم على أبواب الأرض المقدسة التي وعدهم الله أن يدخلوها، فنكصوا على أعقابهم، وجبنوا عن تكاليف ميثاق الله معهم، وأحجموا، وقالوا لموسى عليه السلام: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} ، ثم عرض لحالهم مرة ثانية مع تجربة جديدة، ولكن هذه المرة كانت العقيدة قد انتفضت في قلوبهم، واستيقظ الإيمان في نفوسهم، وبدا منهم الإقدام.

ففي المرحلة الأولى من هذه التجربة:

نجد أن بني إسرائيل كانوا أمة منهزمة، وبالتالي لم تكن صالحة لتحمل التكاليف الثقيلة والتي تليق بأمة مستخلفة، رغم كل الوعود والبشارات التي وعدهم إياها ربهم سبحانه على لسان الكليم موسى عليه السلام.

ولما لم تفلح كل تلك البشارات والمشجعات والتحذيرات التي حشدها الكليم لإيقاظ الشعور في نفوس أمة منهزمة قد قعد بها العجز والخور عن النهوض بأعباء تكاليف الاستخلاف، أحالهم الباري سبحانه إلى سنة من سننه الكونية؛ تمثلت بالتيه وما رافقه من معاناة الخشونة وشظف العيش، ومفارقة الدعة.

وذلك كله من شأنه أن يربي في الأمة القدرة على الإقدام والصبر والمجالدة والمطاولة والمصاولة بما يورثها العزة، ويهيأها لأن تكون الأمة التي يمكن أن تكون أمينة على حمل أمانة التوحيد في الأرض، وجردهم من الراحة ومظاهر الدعة ورغد العيش والتي تؤدي إلى البطر والتكاسل وتورث العجز والخور والإحجام والذي يوصل بالنتيجة إلى القبول بالذلة وتفضيلها على عز يأتي به الجهد والمشقة.

بدأ القرآن بتنبيه الأمة على أسباب الإحجام في النفوس، والتحذير من مغبتها، وأنها هي سبب هلاك الأمم، وأن حال الأمة لا يستقيم بوجودها حتى لو اجتمع لها أفضل القادة - كما هو حال بني إسرائيل مع الكليم موسى والصفي هارون - فها هو ذا الكليم موسى معهم على أبواب الأرض المقدسة - أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا - والتي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكا، وأن يبعث من بينهم الأنبياء، وهو يدعوهم إلى دخولها، ويذكرهم بنعم الله عليهم، وقد أنجاهم من فرعون مصر وحررهم من الذل والهوان، وهو الآن يدعوهم دعوته الأخيرة، فيحشد فيها أروع المذكِرات، وأبرز المبُشرات، وأشد التحذيرات.

قال تعالى مبينًا ذلك: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم * إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم مالم يؤت أحدا من العالمين * يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} .

ولكن الأمة المنهزمة من داخلها والتي قد تغشَاها الذل والصغار - كما هو حال اليهود هنا، وحال كل أمة شابهتها في السلوك - لن يدفعها إلى الإقدام أمام الخطر الماثل والقريب، ولن يحرك فيها حس الجهاد حتى وعد الله لها بأنها صاحبة هذه الأرض، وأن الله قد كتبها لها، ولأجل ذلك ما كان جواب قومه إلا أن قالوا: {يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} .

فهم يريدونه نصرا من غير عناء، ومن دون بذل أو تضحية، نصرا مريحا يتنزل عليها كما تنزل المن والسلوى!

ولكن تكاليف النصر ليست هكذا - كما تصورها اليهود يوم ذاك - بل لابد للأمة المختارة أن تمحص وأن تختبر على وفق ما تقتضيه سنة اشتراط سبق البلاء للنصر والتمكين.

قال تعالى في أول العنكبوت: {ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون} ، وهذه هي سنة الله تعالى في خلقه، فلابد من الاختبار والابتلاء والتمحيص قبل التمكين.

ولكن حال الابتلاء والتمحيص هذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم، فاتصلت بالله قلوبهم، وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم!

وهنا برز دور الفئة المؤمنة، الواثقة الصابرة، ذات الموازين الربانية، التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته، مع ضعفها وقلتها، وبرزت معها قيمة الإيمان بالله، والخوف منه.

فهذان رجلان من الذين يخافون الله، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم، يروي لنا القرآن موقفهما: {قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} .

ولقد وضع هذان الرجلان لبني إسرائيل، ولسائر الأمم؛ قاعدة في علم القلوب، وفي علم الحروب: {ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون} ، أقدموا واقتحموا، فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم، وشعروا بالهزيمة في أرواحهم، وكتب لكم الغلبة عليهم.

إن حصول الإقدام في النفوس مبني على أصلين عظيمين يجدر بالأمة أن تتعلمهما، وتتخذهما شعارًا لها:

الأول؛ قيمة الإيمان في ساعة الشدة:

ولقد وعى المسلمون هذا الدرس مما قصه الله سبحانه عليهم من القصص.

فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير قريش في غزوة بدر، لم يهنوا ولم يضعفوا ولم يحجموا ولم يقفوا من نبيهم موقف اليهود من الكليم موسى، بل آزروه ونصروه، وقالوا له: (يا رسول الله، امض لأمر الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد [1] لسرنا معك ما تخلف منا رجل) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم) .

وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة، وبعض جوانب حكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل.

والثاني؛ قيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس:

فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين - مخافته جل جلاله ومخافة الناس - والذي يخاف الله لا يخاف أحدا بعده، ولا يخاف شيئا سواه.

وقد قال رسول الله صلَى الله عليه وسلَم: (أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلا من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن، فلا حساب عليه) .

ولقد أشار في الحديث القدسي إلى أثر هذا الخوف في إصلاح القلوب والأعمال.

فعن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عنه قال: قال رسول الله صلَى الله عليه وسلَم: (عجب ربنا من رجل غزا في سبيل الله، فانهزم، فعلم ما عليه فرجع حتى أُهريق دمه، فبقول الله تعالى لملائكته: أنظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي حتى أُهريق دمه) .

فهذا الرجل غزا في سبيل الله تعالى، ثم انهزم خوفًا وفرارًا من القتل لما واجه شدة في لقاء العدو، لكنه ذكر الله تعالى فخافه ورجا ما عنده، فرجع وباع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته وانتصارًا لدينه، حتى قتل فيه سبحانه، فهذا ممن يحبه الله تعالى ويباهي ملائكته من فعله، لأن من شأن فعله هذا أن يقوي عزيمة المسلمين، ويشجع المنهزمين على الرجوع إلى صف القتال.

ولقد أشار ابن القيم إلى هذا الحديث في"نونيته"بقوله:

وزعمت أن الله يضحك عندما

لعدوه طلبًا لنيل جنان ... من عبده يدنو فيبدي نحره

تحملت من عمايات ومن ظلم ... ولكن هذه الدعوة تجد صداها عند القلوب المؤمنة، الواثقة الصابرة، ذات الموازين الربانية، التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته.

أما القلوب التي عرفت ثم انحرفت، والتي تغشَاها الذل والصغار، واعتادت الراحة، ومظاهر الدعة ورغد العيش؛ فلن يجديها هذا الخطاب نفعًا ولن يغير من حال نفوسها المنكسرة، ولن يزيدها هذا الخطاب إلا تمنعًا وابتعادًا عن سبيل أصحاب الهمم العلية ومطالب النفوس الكريمة.

ولما كان هذا الأخير هو حال بني إسرائيل؛ ردوا أمر نبيهم، وربوبية ربهم، في ذل العاجز، الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان! أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان! وما ذلك إلا أنه كلَفهم أمرًا لم تعرف قيمته تلك النفوس التي اعتادت بالذل ورضيت بالدون مقابل البقاء على قيد الحياة، فقالوا: {يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} .

فإذا كان الخضوع لأمر ربهم سيكلفهم القتال! لا نريد ملكا، ولا نريد عزا، ولا نريد أرض الميعاد، ودونها لقاء الجبارين!

هذه هي نهاية المطاف بموسى عليه السلام، نهاية الجهد الجهيد، والسفر الطويل، واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل! نكوصا عن الأرض المقدسة، وهو معهم على أبوابها، ونكولا عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق.

فماذا يصنع؟ وبمن يستجير؟

قال: {رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} .

وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون؛ لا جنس، لا نسب، لا قوم، لا لغة، لا تاريخ، لا وشيجة من كل وشائج الأرض إذا انقطعت وشيجة العقيدة، وإذا اختلف المنهج والطريق.

واستجاب الله لنبيه، وقضى بالجزاء العادل على الفاسقين، قال: {فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} .

وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه، وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم، والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم - كما يقول علماء الاجتماع - حتى تنبت نابتة جديدة، وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل؛ جيل يعتد بالدرس، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود، جيل غير هذا الجيل الذي أفسده الذل والاستعباد والطغيان في مصر، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل! والذل والاستعباد والطغيان؛ تفسد فطرة الأفراد كما تفسد فطرة الشعوب.

وهذا أمر عايشناه نحن في أيامنا هذه؛ فقد ترك الذل والاستعباد الذي سامنا به جبابرة هذا العصر - لما تركنا الهدى الذي هو معقد عزنا والذي به قوام أمرنا -؛ أثرا واضحًا وجليًا في النفوس، حال دون النهوض بأعباء هذا الدين، فركن الناس إلى الدنيا، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، فرضوا بحياة الذلة والمهانة على حياة العز والتمكين التي يأتي بها الجهد والبذل والمشقة، فتفرقوا حيث أمرهم الله سبحانه أن يجتمعوا، وقعدوا حيث أمرهم الله سبحانه أن ينفروا، واسلموا أنفسهم إلى التيه بعد أن كانوا على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فسلط الله سبحانه عليهم من يسومهم سوء العذاب حتى يراجعوا من أمرهم ما ضيعوا، وحتى صار لسان الحال يقول:

ضلت قوافلنا درب النجاة بما

نؤله القزم أو نعنوا إلى الصنم ... ونحن من زحمة الأفكار في هوس

شمل شتيت وجرح غير ملتئم ... في كل ركن لنا ليل نكابده

صيية لم تلف أذنًا لمعتصم ... كم صرخة في ذرى الآفاق تطلقها

شراذم الكفر أو تعلوه بالقدم ... وكم كريم على الإسلام تصفعه

لما توارى صلاح الدين بالرجم ... حرب صليبية عادت أوائلها

وكانت النهاية - في حال بني إسرائيل -؛ أنهم زاغوا بعدما بذلت لهم كل أسباب الاستقامة، فزادهم الله زيغا، وأزاغ قلوبهم فلم تعد صالحة للهدى، وضلوا فكتب الله عليهم الضلال أبدا، {والله لا يهدي القوم الفاسقين} .

وبهذا انتهت قوامتهم على دين الله، فما عادوا يصلحون لهذا الأمر، وهم على هذا الزيغ والضلال.

بقلم؛ أبي زبيدة البغدادي

عن مجلة ذروة سنام الإسلام، العدد الثالث

[1] برك الغماد: موضع بأقصى اليمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت