فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 514

والمقصود أن من الفتاوى ما يكون سلاحًا في صالح العدو المحتل، ومنها ما يكون سلاحًا موجعًا ومنكيًا للعدو كما في فتاوى علماء الأندلس ضد النصارى الصليبيين، حيث أفتى ابن رشد الجد [ت 520هـ] أن الجهاد لأهل الأندلس في زمنه أفضل من حج الفريضة الذي لا يتوافر فيه - آنذاك - شرط الوجوب حسب رأيه؛ لأن الوصول إلى مكة بأمان غير حاصل في ذلك الزمان.

وألّف ابن المناصف [ت 620هـ] آنذاك كتاب (الإنجاد في الجهاد) ، فاستوعب أبواب الجهاد وتفصيل فرائضه وسننه، وذكر جملة من آدابه وأحكامه [1] .

ولما وقع اللبس في شأن التتار سنة 702هـ، وكيف يقاتلون وهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة، فأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بأنهم من جنس الخوارج الذين يجب قتالهم، وأن كل طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة فيجب قتالها، فتفطن العلماء لذلك، وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني فتشجّع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم [2] .

لا شك أن الركون إلى الحياة الدنيا والتثاقل إلى الأرض قد غلب على الكثير من المسلمين، وهذا ضعف وذنب ينبغي الخلاص منه ومجاهدته، لكن لا يسوغ أن نجعل من هذا الخور والوهن منهجًا نؤصله، ومسلكًا نقعّده عبر بيانات أو فتاوى، وإذا كان في هذه الأمة الولود من فتح الله عليه في باب الجهاد - كما هو حال المجاهدين في سبيل الله في الأفغان والشيشان وفلسطين والعراق - فينبغي تبني قضاياهم ومؤازرتهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، وإذا كان الهلع والشح قد أقعد الكثير عن النصرة فلا أقل من أن يمسك لسانه وقلمه عن التخذيل والإرجاف.

والله المستعان.

15/ 9/1425 هـ

(1) انظر جهود علماء الأندلس في الصراع مع النصارى لمحمد أبا الخيل ص150 - 159.

(2) انظر البداية والنهاية لابن كثير 14/ 25، ومجموع الفتاوى لابن تيمية م35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت