وهزمت بريطانية العظمى شر هزيمة في أفغانستان، في أواخر القرن التاسع عشر .. عندما كانت أعظم دولة على وجه الأرض، ولم تستطع السيطرة على البلد المسلم الصغير الفقير، بل خلفت وراءها آلاف القتلى البريطانيين الصناديد! ..
قد تمر على المؤمنين المجاهدين ظروف صعبة، وليال حالكات، وقد تثقل الكواهل بالأحداث الجسام .. فما يزيدهم ذلك إلا تعلقا بالله عز وجل، وتحريا لنصره وحده، وتوخيا لتأييده! .. وقد يتآمر المتآمرون، ويتحالف أهل الكفر، ويبيع حكام شرفهم وأخلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا، كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم .. يبيع أقوام أخلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا) [3] .
وقد يدعي الأشرار أنهم أهل خير يحاربون أهل الشر، حين تختل المعايير، فمثل هؤلاء ينطبق عليهم قوله صلى الله عليه وسلم: (من اقتراب الساعة، أن ترفع الأشرار وتوضع الأخيار .. ) [4] .
وقد يتحالف مع الباطل الكافر أقوام ودول تزعم أنها إسلامية تنتمي إلى الإسلام، فهؤلاء كذلك ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (ليأتين على الناس زمان يؤمنون بالله ولا يشركون به شيئا، ويصومون رمضان، ويصلون الخمس، وقد سلبوا دينهم، لأنهم رأوا الحق فتركوه) [5] .
وقد تظهر دول وأنظمة، تتشدق بالباطل، ويهدد رجالها رجال الإسلام ويتوعدون، وينظرون للهزيمة، ويفلسفون الاستخذاء .. وهؤلاء أيضا ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، قيل وما الرويبضة؟ .. قال: الرجل التافه ينطق في أمر العامة) .
في غزوة الخندق، خرج أهل الشرك لاستئصال الدويلة المسلمة الناشئة، وحشدوا لذلك آلاف الرجال من مختلف القبائل، وجمعوا أفضل السلاح .. ومرت على المسلمين المجاهدين في المدينة المنورة أيام عصيبة قاسية حالكة رهيبة، وصفها الله عز وجل في محكم تنزيله وصفا دقيقا مذهلا بقوله: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} .. ومع ذلك، وفي خضم تلك المحنة الرهيبة، لم يتزحزح المؤمنون المجاهدون عن موقفهم الحق، ولم يتراجعوا أمام الباطل، ولم يساوموه على سلامتهم ونجاتهم .. بل لم يفقدوا ثقتهم بنصر الله عز وجل، الذي لا نصر إلا نصره: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} .. وفي المقابل كان المنافقون المهزوزون الموتورون، ينظرون إلى القضية من منظار آخر مختل قاصر: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} .
وما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الظرف العصيب، المفعم بالرعب والخوف والجوع والبرد، الذي بلغت فيه القلوب الحناجر، .. ما كان منه إلا أن بشر أصحابه المؤمنين المجاهدين أنصار الحق .. بنصر الله عز وجل وتأييده: (أبشروا بفتح الله ونصره) ! .. بل وعدهم -وهم في تلك الحال من الزلزلة الشديدة- بملك كسرى وقيصر، وبفتح بلاد اليمن! ..
وانتصر المسلمون المؤمنون المجاهدون في غزوة الخندق، بتأييد الله وعونه! .. ثم زال كسرى، وزال قيصر، وفتحت بلاد اليمن! ..