وتوالت عليكم الصور المأسوية، وحرم الفرد من آدميته، وزرع الخوف والفزع والجوع في صدور وعيون أطفالكم ونسائكم، وشرد الملايين، والقذائف تدك ما بقي من أجسادكم، تحولت جلدة الشباب إلى ضعف وهزل، وهذا في الشباب أولي القوة، فما بالكم بالشيوخ والعجزة، الذين أسقطهم الجوع فلا تسمع إلا دوي نحيبهم، والثكالى اللاتي أنهكهن الأسى فلا ترى إلا دموعهن، واليتامى الذين فقدوا آباءهم فلا تسمع إلا صراخهم يعيشون الآم والأحزان، ويعلوهم صراخ الأنين والزفرات وحياتهم قائمة على القلق والهلع، يحملون على أكتافهم جراحات وآلامًا تنهد لها الجبال إذ أنهم يعيشون بصورة محزنة، يتفصد من شدتها الجبين عرقًا 0
ونحن في خضم هذه الحرب الصليبية الشرسة، وعلى صعيد هذا التقتيل والتشريد وما حل بكم من بلايا ومحن، نتواصل معكم في محنتكم هذه بتذكيركم بأهم شيء لديكم والذي به قوامكم، ومجدكم، وعزكم، والذي خلقتم لأجله، وتبعثون لأجله، والذي هو من أكبر العوامل الأساسية لا الثانوية في نصركم على عدوكم الظالم الغاشم الصليبي والذي إن حققتموه فسيحق لكم - يقينًا - الانتصار عاجلًا على هذا العدو الأحمق وكسر شوكته، وتوهين زحفه، ألا وهو توحيد الله تعالى، وإخلاص الدين له والتحاكم إلى شرعه، والاهتداء بوحيه، ونبذ كل ما يخل به، ويخدش بكماله، أو يتنافى معه، من شعارات قومية، ولغات ضالة، ومذاهب فاسدة، فكم جرت هذه على أمة الإسلام من الشرور والويلات، وكم أشعلت من حروب وملاحم وكوارث، والتوحيد هو الذي جعل الأمة تتحمل الرسالة، وتشعر بالمسؤولية، وتحول العربي إلى إنسان لا تأسره الأوهام والتقاليد، ولا الإقليمية والقومية 0
إن الدعوة إلى القومية وما يحمله هذا الفكر من علمانية، واشتراكية، ونحو ذلك من الأفكار التي تعيد للأذهان واقع الناس قبل الإسلام، غيبوبة عن الحق، وبذرة للفتنة وعودة بالأمة إلى الفوضى، والاستبداد، وحلول الظلم مكان العدل، والشر مكان الخير والتشتت مكان الوحدة الشرعية. قال الله تعالى (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) وإن رسول البشرية صلى الله عليه وسلم بعث في قوم تحكمه العصبية وتسودهم الوثنية، فكان السلاح الذي رفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه أولئك، هو شهادة أن لا