ويا من يقتدى بكم: كيف يقتدي الناس بطيب أقوالكم، ولم يروا الطيب من أفعالكم ؟ فاحذروا أن تكونوا كما قال أبو حازم -رحمه الله -"رضي الناس من العمل بالعلم ، ورضوا من الفعل بالقول !" [1] ويا أيها الشباب: تناديكم امرأة من التابعيات وهي حفصة ابنة سيرين - رحمها الله- فتقول:"يا معشر الشباب ! اعملوا فإنما العمل في الشباب" [2] واعتكاف الشباب أعظم اجراً من غيرهم ؛ لأن داعي الشهوة والهوى أقوى، وفي بعض الآثار:"أيها الشاب التارك لشهوته ، المتبذل شبابه من أجلي: أنت عندي كبعض ملائكتي" [3] . ولذلك فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:"شاب نشأ في عبادة ربه عز وجل"و"رجل معلق قلبه بالمساجد"وكلا الوصفين يحصلان في الاعتكاف .هذا وقد أنعم الله على طلاب المدارس والجامعات ومدرسيهم بإجازة طيلة أيام العشر الأخير في رمضان ، وهم مغبونون بذلك ، فما عذرهم ؟ وهل يليق بهم أن يقضوا تلك الإجازة في سهر أو لهو أو نزهة أو سفر لا طائل تحته ؟ ثم أهم أشد شغلاً من رسولهم صلى الله عليه وسلم الذي لم يدع الاعتكاف أبدًأ ، مع أن قضايا الأمة تدار من عنده ؟
رأى شريح جيرانًا له يجولون ، فقال: مالكم ؟ فقالوا: فرغنا اليوم . فقال شريح: وبهذا أمر الفارغ ؟ [4]
وإن منهم لمن يقول: أعتمر في العشر أفضل من أن أعتكف ! والحقيقة أن الجمع بينهما أكمل ، وإن كان لايقدر إلا على أحدهما ، فالاعتكاف أفضل لوجهين:
1)أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعتمر ، وإنما يعتكف، وهو لا يفعل إلا الأكمل والأفضل .
2)أن الاعتكاف مهجور في كثير من المساجد ، وإحياؤه - حينئذٍ - أولى من العمرة التي يتنافس عليها معظم العباد في هذا الزمان ) [5] .
(2) 1 اقتضاء العلم العمل / الخطيب رقم ( 190-94 )
(3) 2 فتح الباري / ابن رجب ( 4/62)
(4) الاقتضاء ( 174 )
(5) مذكرة العلوان