وهذا ينطبق على قوم غاية ما لديهم من بينات إنما هي حسد قاطع .ولا يدخل الجنة قاطع ، وتوظيف لسوء الظن والظن أكذب الحديث .وإزجاء للمزاعم ، وبئس مطية الرجل زعموا ، حتى حدا بهم دربهم المظلم أن يقعوا في أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة. فمن هؤلاء ؟ إنهم لَّلذين ديدنهم تتبع العثرات ، وتلمس الزلات ، والهفوات ، والتناوش من مكان بعيد لحمل الكلام على محامل السوء ، والترصد والتربص ، والفرح العظيم بأنه وجد على فلان كذا ، وعلى فلان كذا . ومتى صار من دين الله: فرح المسلم بمقارفة أخيه المسلم للآثام . ألا إن هذا التصيد داء خبيث متى ما تمكن من نفس أطفأ ما فيها من نور الإيمان ، وصير القلب خرابا يبابا نعوذ بالله من الخذلان .وكأن ابن القيم - رحمه الله - شاهد عيان لما يجري في عصرنا إذ يقول:"وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي ما يقول )."
والدافع لهم هوى مقيت يورث داء الحسد والبغي والغيرة ، فإذا رأى المغبون في حظه من هبوط منزلته في قلوب الناس ، وجفولهم عنه ، بجانب ماكتب الله لأحد أقرانه من نعمة هو منها محروم من القبول والمحبة ، أخذ بتوهين حاله وذمه بما يشبه المدح . وهكذا في سيل متدفق سيال على ألسنة حداد , دأبها التربص , فالتوثب على الأعراض , والبروز بالمخالفة والاعتراض , مما يوسع جراح الأمة , ويلغي الثقة في الموثقين , ويغتال الفضل لذوي الفضل , ويقطع أرحاما بَنَتْ أوهاماً , ويحل العقوبات العامة ، ولربما أن هذه الرياح التي توالت علينا بسببها والعلم عند الله ، فبئس المنتجع , وبئست الهواية , ويا ويحهم يوم تبلى السرائر.