فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 1036

وأعجب من هذا كله أنها رزقت ببنت عاقلة بارة أكثر من بر أخواتها ، وكبرت البنت وبرها وحبها يكبر في قلب الأم ، وتزوجت وهي لا تدع ولا يوماً واحداً إلا وتتصل على أمها أو تراها ، حتى إن البنت مرة بتر إصبعها بسبب جرح شديد أصابها ، فلم تترك عادتها الحسنة بل عبادتها في هذا الظرف ! و بالرغم من ذلك لم تخبر أمها حتى لا تتكدر ، والأغرب في سيرة هذه البنت البارة ، أنها بعد أن رزقت ببنيات أصيبت بمرض خطير ، أقعدها على فراشها أشهراً في المستشفى ، ومع ذلك لم تترك هذه البنت الصابرة ما كان من عهدها مع أمها الصابرة ، ولما جاءت ساعات الوداع وكرب الموت كان لها موعد مع ربها اللطيف بها ؛ ليرزقها عملها الصالح الذي لم تتركه حياتها ، ففي الساعة السادسة صباحا يشتد بالبنت المرض وهي بعيدة عن ناظري أمها ، فتقول: اتصلوا على أمي ، فتسلم على أمها وتودعها في آن واحد ، وتخبرها أن الأطباء أخبروها أن أمرها خرج من أيديهم ، فلا تملك الأم المتجلدة إلا أن تصبِّر ابنتها ، وبعد ساعتين يأتي الخبر الأم ، أن البنت أسلمت الروح إلى بارئها ، مخلِّفة ثمان بنيات وطفلين في الفطام ، فتأتي القريبات والجارات ليعزينها ، فتردُّهن لا جزعاً ؛ ولكن شفقة على بنيات بنتها اليتيمات حتى لا تنكسر خواطرهن إذا رأين النساء يبكين !! ويمتد البلاء بهذه الجدة الصابرة بعد وفاة ابنتها التي خلَّفت عشرة أطفال ، لترقد في المستشفى أياماً مرافِقة لأصغر الأيتام ، فهي أمهن بعد أمهن التي تحت التراب !! فمن أي الأمرين نعجب أمن بر البنت الأم ، أم من صبر الأم والجدة معاً ؟!! فنقول لهذه الأم ولمن أصيب بمثل مصابها: أبشري ببيت جائزة لكِ ؛ حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون: نعم ، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده ؟ فيقولون: نعم ، فيقول: ماذا قال عبدي ؟ فيقولون: حمدك واسترجع ، فيقول الله: ابنوا لعبدي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت