ويسوق لهم قصصًا لأناس عفوا, فحصل لهم من العز والخير ما حصل ؛ فذلك يبعث النفوس إلى الإقصار عن التمادي في الخصام. وإليكم - معاشر المصلحين والراغبين في الصلح هذه القصة التي يقضي منها العجب المستطرف في كل فن مستظرف - (ج 1 / ص 194) فقد كان لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أرض وكان له فيها عبيد يعملون فيها، وإلى جانبها أرض لمعاوية ر وفيها أيضًا عبيد يعملون فيها، فدخل عبيد معاوية في أرض عبد الله بن الزبير، فكتب عبد الله كتابًا إلى معاوية يقول فيه: أما بعد ، يا معاوية، إن عبيدك قد دخلوا في أرضي، فانههم عن ذلك وإلا كان لي ولك شأن، والسلام. فلما وقف معاوية على كتابه، وقرأه ودفعه إلى ولده يزيد وقال: يا بني ما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إليه جيشًا يكون أوله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، فقال: بل غير ذلك خير منه يا بني، ثم أخذ ورقة، وكتب فيها جواب كتاب ابن الزبير، يقول فيه: أما بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواري رسول الله ز وساءني ما ساءه، والدنيا بأسرها هينة عندي في جنب رضاه، نزلت عن أرضي لك فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال والسلام. فلما وقف عبد الله على كتاب معاوية ، كتب إليه: قد وقفت على كتاب أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، ولا أعدمه الرأي الذي أحله من قريش هذا المحل والسلام. فلما وقف معاوية على كتاب ابن الزبير، وقرأه رمى به إلى ابنه يزيد، فلما قرأه تهلل وجهه ، فقال معاوية عندئذ: يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب، فإذا ابتليت بشيء من هذه الأدواء، فداوه بمثل هذا الدواء.
19_ فإذا قام المصلح بما بوسعه فَلْيَدَعْ للزمن دوره, حتى تهدأ النفوس, ويبدأ الأطراف في المراجعة ، و لربما كانت بعض الخصومات تستدعي العجلة والمسارعة في هدم ما بني من عداوات ، وهذا وذاك مردُّه إلى الحكمة في مراعاة مقادير المصالح والمفاسد .