وتأملوا ما ذكره الله سبحانه في قصة ابنتي شيخ مدين: { فجاءته إحداهما تمشي على استحياء } فقد جاء عن عمر - رضي الله عنه - بسند صحيح أنه قال: جاءت تمشي على استحياء قَائِلَةً بثوبها على وجهها، لَيْسَت بِسَلْفَعٍ مِن النساء ولاّجةً خرَّاجة . والسلفع من النساء: الجريئة السليطة، كما في تفسير ابن كثير [3/384] رحمه الله تعالى . وفي الآية أيضاً من الأدب والعفة والحياء، ما بلغ ابنة الشيخ مبلغاً عجيباً في التحفظ والتحرز، إذ قالت: { إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا } فجعلت الدعوة على لسان الأب، ابتعاداً عن الرَّيب والرِّيبة .
البداية والنهاية - (ج 11 / ص 93)
ومن عجائب ما وقع من العفيفات في قرن سلف أن امرأة تقدمت إلى القاضي فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار فأنكره فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها.فقالت المرأة حين عرفت أنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة. فأين هي ممن تتساهل بحجابها عند عمال المحلات ، أولا تتحرج من عامل توصيل الطلبات ، مع وجود من يكفيها ذلك من محارمها ، أو من تتساهل في كشف جسدها لدى الطبيب مع عدم الاضطرار .