لقد كانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فتمتلئ من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته ، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شئ من البراغيث ، ولا الدواب المؤذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم .
[لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ] والآية هنا: ما أدرَّ اللّه عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا اللّه ويشكروه على نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما. ومنها: أن اللّه جعل بلدهم، بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها. ومنها: أن اللّه تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . ومنها: أن اللّه لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة - الظاهر أنها: قرى صنعاء ، وقيل: إنها الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد.ولهذا قال: { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } أي: سيرا مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه { لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ } أي: مطمئنين في السير، في تلك الليالي والأيام، غير خائفين. وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم، أن أمنهم من الخوف ، حتى قيل كان المسافر يخرج من قرية فيدخل الأخرى قبل دخول الظلام . فكان السفر فيها محدود المسافات ، مأموناً على المسافرين . كما كانت الراحة موفورة لتقارب المنازل وتقارب المحطات في الطريق .