وإن الله جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض ، وما منها موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعاته ، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته ، فالسعيد من تقرب فيها إلى مولاه، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات ، فيسعد سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات" [1] لأنه إذا جاء يوم القيامة تفاوتت بين المسلمين الدرجات وإن كانوا من أهل الجنات ، فكانوا - إجمالاً - على قسمين كما في قوله تعالى [إِنَّ المُصَّدِّقِينَ وَالمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ - وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ] فإن ( عمال الآخرة على قسمين ، منهم من يعمل على الأجر والثواب ، ومنهم من يعمل وينافس غيره في الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى ، ويسابق إلى القرب منه ) [2] "
إنها قُرَب تتبعها قُرَبٌ ، وإن من القُرَب العظيمة في هذه العشر: الاعتكاف الذي هو سنة فاضلة في زمن فاضل ، وقد صار سنة مهجورة لا تكاد تعرف في بعض البلاد، فكان إحياؤه آكد وأعظم أجراً ؛ لأن السنة كلما هجرت كان الأجر في إحيائها أعظم . والاعتكاف أفضل من العمرة لمن لا يقدر إلا على أحدهما لوجهين:
-أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر ، وإنما كان يعتكف، وهو لا يفعل إلا الأكمل والأفضل .
-أن الاعتكاف مهجور في كثير من المساجد ، وإحياؤه - حينئذٍ - أولى من العمرة التي يتنافس عليها معظم العباد في هذا الزمان ) [3] .
(1) باختصار من لطائف المعارف/ ابن رجب ص 40
(2) الوابل الصيب ص 13
(3) مذكرة العلوان