وَمُنْذُ أَقْدَمِ الْعُصُوْرِ ضَلَّ النَّاسُ عَنْ هَذَا التَّوْحِيْدِ، فَعَبَدُوْا مِنْ دُوْنِ اللهِ آلِهَةً شَتَّى. عَبَدَ قَوْمُ نُوْحٍ: وَدًّا وَسُوَاعَ وَيَغُوْثَ وَيَعُوْقَ وَنَسْرًا .. وَعَبَدَ قَوْمُ إِبْرَاهِيْمَ: اَلْأَصْنَامَ .. وَعَبَدَ قُدَمَاءُ الْمِصْرِيِّيْنَ: اَلْعِجْلَ .. وَعَبَدَ اَلْهِنْدُوْسُ: اَلْبَقَرَ .. وَعَبَدَ اَلْمَجُوْسُ: اَلنَّارَ .. وَعَبَدَ اَلْعَرَبُ: اَلْأَوْثَانَ وَالْحِجَارَةَ .. وَعَبَدَ اَلنَّصَارَى: اَلْمَسِيْحَ وَأُمَّهُ .. وَعَبَدُوْا اَلْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ مِنْ دُوْنِ اللهِ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُشْرِكُوْنَ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفْرِدُوْا اللهَ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ اَلَّتِيْ لَا تَسْتَحِقُّ لِأَحَدِ غَيْرُهُ.
وَلَكِنْ مَا مَعْنَى «الْعِبَادَةِ» اَلَّتِيْ هِيَ مِنْ حَقِّ اللهِ وَحْدَهُ؟
اَلْعِبَادَةُ كَلِمَةٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنَيَيْنِ اِمْتَزَجَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَصَارُوْا شَيْئًا وَاحِدًا. وَهُمَا نِهَايَةُ الْخُضُوْعِ مَعَ نِهَايَةِ الْحُبِّ. فَالْخُضُوْعُ اَلْكَامِلُ اَلْمُمْتَزِجُ بِالْحُبِّ اَلْكَامِلِ هُوَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ. فَأَمَّا حُبٌّ بِلَا خُضُوْعٍ، أَوْ خُضُوْعٌ بِلَا حُبٍّ، فَلَا يُحَقِّقُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ .. وَكَذَلِكَ بَعْضُ الْخُضُوْعِ مَعَ بَعْضِ الْحُبِّ لَا يُحَقِّقُ اَلْعِبَادَةَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كُلِّ الْخُضُوْعِ مَعَ كُلِّ الْحُبِّ.