اَلتَّوْحِيْدُ لَا يُنَافِيْ اِتِّخَاذَ الْأَسْبَابِ اَلَّتِيْ وَضَعَهَا فِي الْكَوْنِ، كَاسْتِعْمَالِ الطَّعَامِ لِلشِّبَعِ، وَالْمَاءِ لِلرَّيِّ، وَالدَّوَاءِ لِلْعِلَاجِ، وَالسِّلَاحِ لِلدِّفَاعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ اَلَّتِيْ جَعَلَهَا اللهُ مُؤَدِّيَةً إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا.
فَإِذَا مَرِضَ الْإِنْسَانُ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى طَبِيْبٍ، وَقَرَّرَ لَهُ اِسْتِعْمَالَ دَوَاءٍ أَوْ إِجْرَاءَ جِرَاحَةٍ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَامَ بِهِ وَنَفَّذَهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ خُرُوْجًا عَنِ التَّوْحِيْدِ.
إِنَّمَا يُنَافِيْ اَلتَّوْحِيْدَ اَللُّجُوْءُ إِلَى أَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ لَمْ يَشْرَعْهَا اللهُ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ بَعْدَ وُقُوْعِهِ أَوْ لِلْوِقَايَةِ مِنْهُ قَبْلَ وُقُوْعِهِ فِيْمَا زَعَمُوْا.
وَمِنْ ذَلِكَ لُبْسُ حَلَقَةٍ مِنَ الْمَعْدَنِ، أَوْ وَضْعُ خَيْطٍ يُرْبَطُ بِالْعَضُدِ، فَقَدْ رَوَى اَلْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلَقَةً - قَالَ: أَرَاهَا مِنْ صُفْرٍ - فَقَالَ: «وَيْحَكَ مَا هَذِهِ» ؟ قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ تَزِيْدُكَ قَالَ: «أَلَا إِنَّهَا لَا تَزِيْدُكَ إِلَّا وَهْنًا، اِنْبِذْهَا عَنْكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ، مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» .
وَإِنَّمَا غَلَّظَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى الرَّجُلِ، تَحْذِيْرًا مِنَ الشِّرْكِ بِكُلِّ صُوْرَةٍ وَتَعْلِيْمًا لِلصَّحَابَةِ أَنْ يَسُدُّوْا هَذَا الْبَابَ جُمْلَةً وَتَفْصِيْلًا.
وَلِهَذَا حِيْنَ دَخَلَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عَلَى مَرِيْضٍ يَعُوْدُهُ، فَوَجَدَ فِيْ عَضُدِهِ سَيْرًا أَوْ خَيْطًا يُدْفَعُ بِهِ اَلْحُمَّى لَمْ يَسَعْهُ إِلَّا أَنْ قَطَعَهُ،