وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس: 22] .
وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا مَثَلًا بِاعْتِبَارِهِ دَلِيْلًا عَلَى وُجُوْدِ اللهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَفْسُهُ دَلِيْلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حِيْنَ تَجَرَّدَ مِنَ الْعَوَامِلِ اَلطَّارِئَةِ، وَرَجَعَ إِلَى خَالِصِ فِطْرَتِهِ، لَمْ يَتَّجِهْ بِدُعَائِهِ سَاعَةَ الشِّدَّةِ وَالْأَزْمَةِ إِلَى الصَّنَمِ أَوِ الْوَثَنِ، بَلْ اِتَّجَهَ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ رَبَّهُ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيْ وَصْفِ نَفْسِيَّةِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِيْنَ: {دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [يونس: 22] .
دَلَّ الْعَقْلُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَرَاءَ هَذَا الْكَوْنِ مُكَوِّنًا وَاحِدًا، فَهَذَا الْكَوْنُ اَلْعَرِيْضُ اَلْفَسِيْحُ - عَلَى تَنَوُّعِ مَا فِيْهِ مِنْ مَخْلُوْقَاتٍ، صَغِيْرَةٍ وَكَبِيْرَةٍ، حَيَّةٍ وَجَامِدَةٍ، نَاطِقَةٍ وَصَامِتَةٍ، عَاقِلَةٍ وَغَيْرِ عَاقِلَةٍ، عُلْوِيَّةٍ وَسُفْلِيَّةٍ - تَحْكُمُهُ قَوَانِيْنُ وَاحِدَةٌ، تَنْطَبِقُ عَلَى الذَّرَّةِ، كَمَا تَنْطَبِقُ عَلَى الْمَجَرَّةِ، حَتَّى إِنَّ الْعَالِمَ اَلطَّبِيْعِيَّ حِيْنَ