وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَذْكُرُ أَمْثِلَةً لِلطَّاغُوْتِ، وَلَكِنَّهَا لَا تَحْصُرُ كُلَّ أَفْرَادِهِ. وَأَضْبَطُ تَحْدِيْدٍ لِمَعْنَى الطَّاغُوْتِ مَا ذَكَرَهُ اَلْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: «اَلطَّاغُوْتُ» كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُوْدٍ أَوْ مَتْبُوْعٍ أَوْ مُطَاعٍ، فَطَاغُوْتُ كُلِّ قَوْمٍ مَنْ يَتَحَاكَمُوْنَ إِلَيْهِ غَيْرَ اللهِ وَرَسُوْلِهِ، أَوْ يَعْبُدُوْنَهُ مِنْ دُوْنِ اللهِ، أَوْ يَتَّبِعُوْنَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيْرَةٍ مِنَ اللهِ، أَوْ يُطِيْعُوْنَهُ فِيْمَا لَا يَعْمَلُوْنَ أَنَّهُ طَاعَةٌ للهِ. فَهَذِهِ طَوَاغِيْتُ الْعَالَمِ، إِذَا تَأَمَّلْتَهَا وَتَأَمَّلْتَ أَحْوَالَ النَّاسِ مَعَهَا رَأَيْتَ أَكْثَرَهُمْ أَعْرَضَ عَنْ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى إِلَى عِبَادَةِ الطَّاغُوْتِ، وَعَنْ طَاعَةِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى طَاعَةِ الطَّاغُوْتِ وَمُتَابَعَتِهِ.
وَهَذَا هُوَ اَلْعُنْصُرُ اَلثَّالِثُ لِتَحْقِيْقِ التَّوْحِيْدِ، وَهُوَ يَقْتَضِيْ مَعْرِفَةَ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ كُلِّهِ أَكْبَرِهِ وَأَصْغَرِهِ، جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ، وَالتَّحَرُّرَ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ لِلشِّرْكِ، وَالْحَذَرِ مِنْ مَنَافِذِهِ وَمَدَاخِلِهِ.
إِنَّ الشَّيْءَ - كَمَا قُلْنَا - لَا يَتَمَيَّزُ إِلَّا بِضِدِّهِ، فَلِهَذَا لَا يُعْرَفُ التَّوْحِيْدُ خَالِصًا مُتَمَيِّزًا إِلَّا بِمَعْرِفَةِ ضِدِّهِ وَهُوَ اَلشِّرْكُ.
فَمَا حَقِيْقَةُ الشِّرْكِ؟