يعني أن الأمر الكائن على التخيير بين أشياء معينة كخصال الكفارة مستقيم بواحد أي متعلق بواحد منها غير معين عند عامة أهل السنة، قال ولي الدين: وحكى القاضي أبو محمد إجماع سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، وعزى ابن الحاجب ما سواه من الأقوال للمعتزلة. وقيل إن الجميع واجب ويسقط بفعل واحد .. وعزاه الباجي لابن خويزمنداد من أصحابنا، وذكره إمام الحرمين عن أبي هاشم. وقيل إن الواجب معين عند الله، فإن صادفه المكلف فذلك، وإن فعل غيره فهو نفل بسقط به الفرض؛ قال والد السبكي: وعندي أنه لم يقل به قائل، وقيل الواجب منها واحد غير معروف وهو ما يفعله المكلف، وقال القرافي: الإيجاب متعلق بمفهوم واحد من الخصال الذي هو القدر المشترك بينها وخصوصيتها هو متعلق التخيير، ثم إن الخلاف بيننا وبين المعتزلة معنوي عند الأكثر، وقال الإمام في البرهان: إن صح النقل فيها فليس آئلا في التحقيق إلى خلاف معنوي وفصاراه نسبة الخصم إلى الحيف في العبارة.
قلت: لأن الجميع متفقون على أن فعل واحد من تلك الأشياء مسقط للأمر وكاف في الخروج من عهدته، فإن فعل المأمور الكل أي جميع الخصال المخير فيها في مرة واحدة كما لو أطعم وكسى وأعتق في كفارة اليمين بالله في وقت واحد فإنه يثاب ثواب الواجب على أعلاها، ويثاب على ما سواه ثواب النفل، وقال القرافي على القدر المشترك ثواب الواجب .. وهذا إن تفاوتت، وإن تساوت أثيب ثواب الواجب على واحد منها غير معين، وإن فعلها مرتبة أثيب ثواب الواجب على الأول منها، وأثيب على غيره ثواب النفل، وإن تركها كلها وكانت متفاوتة عوقب على أدناها، لأنه لو فعله لأجزاه، وإن تساوت فعليه إثم واحد منها لا بعينه، وبه قال الفهري، وقال القرافي: إنه يعاقب على القدر المشترك بينها مطلقًا أي تفاوتت أم تساوت.
(ومثْلُهُ التَّحْريم) يعني أن التحريم مثل الوجوب في أنه يرد متعلقا بواحد غير معين من أشياء متعددة عند الأشاعرة ونفاه المعتزلة. مثاله: ما إذا أعتق شخص إحدى أمتيه ولم يعينها فإنه يجوز له وطء إحداهما ويكون تعيينًا للعتق في الأخرى، وكذا إذا طلق إحدى امرألأتيه ولم يعينها .. إذا قلنا بأحد القولين أن الوطء يعين المطلقة، ففي هذين المثالين الحرام متعلق بواحد لا بعينها.
وَالأَمْرُ بَعْدَ الْحَظْرِ مُسْتَفَادُ ... - ... إِبَاحَةٍ كَـ {انْتَشِرُوْا} وَ {اصْطَادُوْا} ...
وَقِيْلَ لِلْوُجُوبِ وَالْوَقْفِ نُقِلْ ... - ... وَبَعْدَ الاِسْتِئْذَانِ كَالْحَظْرِ حُمِلْ
يعني أن الأمر الوارد بعد الحظر أي التحريم .. مستفاد إباحة أي مكان استفادة للإباحة.
فقوله (مستفاد) مفعل بمعنى المكان، وإباحة مضاف إليه أي استفاد منه الإباحة أي هي