تارة وغير أمر تارة، والمباح لا يكون مأمورُا به وإنما هو مأذون فيه.
(وبعد الاسْتيذانِ كَالحَظْرِ حُمِلْ) يعني أن الأمر الوارد بعد الاستئذان أي السؤال حمل حال كونه كالحظر أي كالأمر الوارد بعد الحظر، فقيل إنه للوجوب، وقيل إنه للإباحة. فمن وروده للوجب قوله - صلى الله عليه وسلم - ما سئل عن الوضوء من لحم الإبل:"توضئوا منها"على أحد القولين، ومن وروده للإباحة قوله - صلى الله عليه وسلم - الثابت في مسلم لمن قال أأصلي في مرابض الغنم؟ .."نعم"، بمعنى صل فيها.
وَالأَمْرُ بِالأَمْرِ بِشَيْءٍ لاَ يُرَى ... - ... أَمْرًا بِهِ كَقُلْ لِزَيْدٍ انْظُرَا
يعني أن أمر الشارع لشخص بالأمر بشيء أي بأن يأمر شخصا آخر بشيء لا يرى ذلك الأمر أي أمر الشارع أمرا لذلك الشخص به أي بالشيء المأمور به أي فلا يكون الشارع آمرا لذلك الشخص الثاني ـ كما إذا قال لشخص قل لزيد"انظر"فإنه يكون آمرا لزيد بالنظر ـ مثاله قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصبيان"مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر"فإنه - صلى الله عليه وسلم - ليس آمرًا للصبيان، وأما أمر الصبيان بالمندوبات فإنه مأخوذ من حديث الخثعمية قالت يا رسول ألهذا حج؟ تشير إلى صبي في حجرها. قال:"نعم ولك أجر"وليس مأخوذا من حديث مروهم بالصلاة الخ، لأن الأمر لشخص أن يأمر شخصا لا يعد آمرا لذلك الشخص الثاني إلا أن ينص الأمر على ذلك أو تقوم قرينة على أن الثاني مبلغ عن الأمر الأول، فإن الثالث حينئذ يكون مأمورا إجماعا كما في حديث ابن عمر الثابت في الصحيحين أنه طلق زوجته وهي حائض فذكره عمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"مره فليراجعها"، والقرينة الدالة على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آمر لابن عمر دخول لام الأمر في قوله"فليراجعها"ومجيء الحديث أيضا في رواية أخرى بلفظ"فأمره - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها".
وقيل إن الأمر لشخص أن يأمر شخصًا يعد أمرًا لذلك الشخص الثاني بدليل أمر الله لرسوله أن يأمر عبيده، والآمر في الحقيقة للعبيد هو الله إجماعا، وأجيب بأن ذلك للعلم بأن الرسول مبلغ بدليل {إنما عليك البلاغ ـ يا أيها الرسول بلغ} ، ولو كان الأمر لشخص أن يأمر شخصا آخر يعد أمرا لذلك الشخص لكان قولك للسيد مر عبدك أن يفعل كذا تعديا، لأنه يكون أمرا للمملوك غيرك بغير إذنه.
وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيْمِ إِنْ تَجَرَّدَا ... - ... أَوْ مَعْ قَرِيْنَةٍ عَلَيْهَا اعْتَمَدَا
يعني أن النهي موضوع للتحريم إذا تجرد عن القرائن المخرجة له عنه أو صاحب قرينة اعتمد عليها في التحريم بأن كانت دالة عليه، لأن التحريم هو معناه الحقيقي شرعا، وقيل لغة، وقيل عقلا عند المالكية، وقيل إنه حقيقة في الكراهة لأنه المتيقن من مدلوله، وقيل إنه مشترك بين التحريم والكراهة أي حقيقة فيهما، وقيل إنه حقيقة في القدر المشترك بين التحريم والكراهة وهو