فَالأَمْرُ وَالأَوَّلُ لَنْ يَجْتَمِعَا ... - ... إِذْ يَسْتَحِيْلُ افْعَلْ وَلاَ تَفْعَلْ مَعَا
يعني أن الأمر والنهي .. الأول وهو النهي المتعلق بأصل الشيء لن يجتمعا أي لا يمكن اجتماعهما في شيء واحد من جهة واحدة، إذ يستحيل تعلق مقتضى افعل وهو الوجوب، ومقتضى لا تفعل وهو التحريم معا أي جميعا بشيء واحد من جهة واحدة، ومن آمر واحد، إلا عند من يجوز التكليف بالمحال، وأما تعلقهما بالشيء الواحد من جهتين فجائز.
وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:
فَتَائِبٌ يَخْرُجُ مِمَّا قَدْ غَصَبْ ... - ... مُمْتَثِلٌ لِفْعِلِهِ لِمَا يَجِبْ
أي فبسبب أن الأمر والنهي عن الشيء لأصله لا يمكن اجتماعهما في محل واحد من جهة واحدة كان التائب الخارج من المكان المغصوب ممتثلا فقط في خروجه ذلك لا غاصبا، لأجل فعله لما يجب عليه وهو الخروج تائبا، لأن ذلك هو طوقه، فخروجه تائبا من هذه الجهة متعلق الأمر فقط، وليس للمنهي به تعلق منها، إذ لا يمكن أن يكون خروجه واجبا ومحرما من جهة واحدة .. هذا مذهب جمهور العلماء بشرط الخروج بسرعة وسلوك أقرب الطرق وأقلها ضررا، وبشرط العزم على ألا يعود.
وإلى اجتماع الأمر والنهي في الخروج من جهتين عند بعض العلماء أشار الناظم بقوله:
وَعَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ إِثْمُهُ ... - ... مُسْتَصْحَبٌ حَالَ الْخُرُوْجِ حُكْمُهُ
يعني أنه نقل عن إمام الحرمين أن حكم إثم الغاصب التائب بالخروج من مكان الغصب مستحب حال خروجه، لأن الخروج شغل لبقعة الغير بغير إذنه، والتوبة إنما تتحقق عند الانتهاء مع انقطاع تكليف النهي عنه لأجل شروعه في قطع المسافة للخروج تائبا، فقد اعتبر إمام الحرمين في الخروج جهة معصية بورود النهي عليه من جهة حصول الضرر بشغله لملك الغير بغير إذنه بالخروج، وجهة طاعة فيه بورود الأمر عليه من جهة الامتثال بقطع المسافة للخروج وإن لزمت الأولى من الثانية، إذ لا ينفك الأمر بالخروج عن الشغل للبقعة بخروجه تائبا.
والجمهور ألغوا جهة المعصية لدفع ضرر المكث الأشد ارتكابا لأخف الضررين. ومذهب أبي هاشم المعتزلي وأبيه أبي علي الجبائي: أن التائب المذكور آت بحرام لشغله بالخروج بقعة الغير بغير إذنه فألغيا في الخروج جهة الطاعة.
وَالأَمْرُ مَعْ نَهْيٍ عَنِ الْمُجَاوِرِ ... - ... جَمْعُهُمَا يُمْكِنُ دُوْنَ حَاجِرِ
يعني أن جمع الأمر بالشيء لأصله مع النهي عنه لأجل مجاوره لا لذاته يمكن، لأن كلا منهما وارد عليه من جهة غير الجهة التي ورد منها عليه دون حاجر أي دون مانع من جمعهما