قطعيا أو ظنيا.
قال ولي الدين في الغيث الهامع: إذا اختلف أهل العصر على قولين فهل يجوز بعد ذلك الاتفاق على أحدهما؟ للمسألة حالتان: إحداهما يكون قبل استقرار الخلاف فجزم المصنف بجوازه سواء كان الاتفاق منهم أو ممن حدث بعدهم من المجتهدين وخالف فيه الصيرفي. الثانية أن يكون بعد استقرار الخلاف وتحته صورتان: إحداهما أن يكون الاتفاق من أهل ذلك العصر بعينه ففيه مذاهب أحدها المنع وهو اختيار الإمام، والثاني الجواز وهو اختيار الآمدي، والثالث أنه يجوز إذا كان مستندهم ظنيا ولا يجوز إن كان قطعيا. الثانية أن يكون الاتفاق من أهل العصر الذي بعدهم ففيه مذاهب: الجواز مطلقا وبه قال الأمام وأتباعه وابن الحاجب، والمنع مطلقا وبه قال أحمد والشيخ أبو الحسن والصيرفي وإمام الحرمين والغزالي والآمدي والأصح عند المصنف الامتناع إن طال الزمان والجواز إذا قرب، والفرق أن استمرار الخلاف مع طول الزمان يقتضي التصرف فيه بأنه لو كان ثم وجه لسقوط أحد القولين لظهر.
وَحَيْثُمَا لأَهْلِ عَصْرٍ قَدْ خَلاَ ... - ... في الْحُكْمِ قَوْلاَنِ لَهُمْ فَمَا عَلاَ ...
فَلاَ يُجْيِزُ غَيْرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ ... - ... إِحْدَاثَ قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلآخِرِ
يعني أن أهل العصر الخالي أي المتقدم إذا اتفقا على قولين في حكم أحدهما محلل والآخر محرم فإنه لا يجوز عند غير أهل الظاهر إحداث قول ثالث للعصر الآخر الذي يأتي بعدهم مطلقا لأن المحرم نفى الحلية وبقية الأحكام والمحلل قد نفى الحرمة وبقية الأحكام، فالرفيقان مجمعان على نفي ما سوى الحل والحرمة، وهذا القول هو مذهب الأكثر وعزاه في البرهان للمحققين واختاره الأبياري.
وقيل يجوز للعصر الثاني إحداث قول ثالث إذا لم يخرق ما اتفق عليه الفريقان بأن وافق في كل صورة مذهبا، مثاله قول أبي حنيفة ومالك بحلية متروك التسمية سهوًا لا عمدًا مع قول الشافعي يحل مطلقا وقيل يحرم مطلقا لأنه وافق في كل من الصورتين مذهبًا من المذهبين. وإن خرق القول الثالث ما اتفق عليه الفريقان قبله منع كقول ابن حزم إن الأخ يسقط الجد لأن الصحابة اختلفوا فيه على قولين قيل يسقط بالجد وقيل يشاركه فإسقاطه الجد بالأخ خارق لما اتفق عليه القولان من أن له نصيبا.
وأما أهل الظاهر فيجوز عندهم إحداث الثالث مطلقا خرق أم لا.
قوله (فما علا) في البيت الأول معناه أن أهل العصر إذا اتفقوا على ثلاثة أقوال في مسألة فلا يجوز إحداث رابع فيها للعصر الذي بعدهم وكذا إذا اتفقوا على أربعة أقوال ولم أظفر لهذا