عن علّته عند كل مذهب مثل بيع العرايا وهي بيع الرطب أو العنب قبل الجذ بتمر أو زبيب فإنه جائز، فقد تخلف الحكم فيها الذي هو حرمة الربا عن علّته عند كل قائل من المذاهب لأنها إما الطعم أو القوت والادخار أو الكيل أو المالية إذ قد نقل الإجماع على أن حرمة الربا لا تعلل إلا بأحد هذه الأمور وقد وجدت الأربعة في التمر والزبيب وتخلف الحكم عنها في بيع العرية فلا يقدح تخلفه عنها لأن الإجماع على حصر العلل للربا في الأربعة أقوى من التخلف فلا يقدح فيها. ...
والقلبُ أن يُثْبِتَ بعضُ الخَصْمِ ... - ... بعلَّةِ الآخَرِ ضِدَّ الحُكْم
يعني أن من القوادح في القياس القلب؛ وهو أن يثبت بعض الخصماء بعلّة الآخر أي المستدل التي أثبت بها الحكم ضد الحكم الذي أثبته المستدل بتلك العلّة وهو على قسمين:
أحدهما: أن يصحح المعترض مذهبه مع إبطاله لمذهب المستدل سواء كان مذهب المستدل مصرّحًا به في دليله أو لا. الأول: كتعليل الشافعي عدم صحة بيع الفضولي بكونه عقدًا بلا ولاية في ملك الغير قياسًا على شراء الفضولي فيعترض المالكي بأن يثبت بهذا الوصف الذي علّل به الشافعي عدم صحة نقيضه وهو الصحة قياسًا لبيع الفضولي على شرائه فيلزم إذا أمضاه المالك. والثاني: كتعليل المالكي لاشتراط الصوم في الاعتكاف بكونه لبثًا فلا يكون بنفسه قربة إلا بضميمة الصوم إليه قياسًا على وقوف عرفة لأنه لا يكون قربة إلا بضميمة الإحرام إليه، والجامع بينهما كون كل منهما لبثًا، فيعترض الشافعي بأن هذا الوصف وهو كونه لبثًا يوجب نقيض الحكم وهو عدم اشتراط الصوم فيه قياسًا على وقوف عرفة.
ثانيهما: أن يبطل المعترض مذهب المستدل من غير تعرض لتصحيح مذهبه هو سواء كان ذلك الإبطال غير مصرح به لكونه بدلالة الالتزام أو مصرّحا به لكونه بدلالة المطابقة. الأول: كإلحاق الحنفي لبيع الغائب بالنكاح في الجواز والصحة مع الجهل بالعوض بجامع كون كلّ منهما عقد معاوضة، فيبطل المالكي والشافعي مذهبه بأنه يلزم عليه عدم ثبوت خيار الرؤية في بيع الغائب كالنكاح فقد أبطلاه بالالتزام، لأن ثبوت خيار الرؤية لازم شرعًا عنده للصحة أي يلزم منها عنده، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم. والثاني: كتعليل الحنفي لعدم الاكتفاء في مسح الرأس بأقل ما يطلق عليه اسم المسح بكونه عضو وضوء قياسًا له على الوجه فإنه لا يكفي في غسله أقل ما يطلق عليه اسم الغسل ويكفي عنده المسح على ربع الرأس، فيقول الشافعي كونه عضو وضوء يقتضي نقيض مذهبك الذي هو الاقتصار على الربع. وليس في هذين الإبطالين إثبات لمذهب المعترض. ...
والفرقُ إبداءٌ لوصفٍ استقَرْ ... - ... مُناسِبٍ للحُكمِ مماَّ يُعتبَرْ