تقبل الشهادة أمثلهم حالا لأنها ضرورة، وكذلك يلزم في القضاة وولاة الأمور، وتكون حاجية ولذلك لم تشترط العدالة في الأوصياء دفعًا للمشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان وبين من يريد أن يعتمد عليه، وتكون تحسينية كما في السلم والمساقات وبيع الغائب فإنها أبيحت مع الجهل في الأجرة دفعًا للمشقة عن الناس في معاشهم. وفي الصيد فإنه أبيح مع بقاء الفضلات فيه وعدم تسهيل الموت عليه دفعًا للمشقة وتوسيعًا على الناس في معاشهم.
فقد اعتبر دفع المشقة في الشرع في هذه الأمور مع مخالفتة للقواعد.
الرابع: قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي في قواعده: كل تكملة فشرطها أن لا يبطل اعتبارها أصلها، مثاله حفظ مهجة مُهم كُلِّي، وحفظ المروءات مستحسن، فحرمت النجاسة حفظًا للمروءات وإجراء لأهلها على محاسن العادة، فإن دعت الضرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس كان تناوله أولى. وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الغرر والجهالة فيه مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لانحسم باب البيع.
وكلُُّها قواعدٌ كلِّيَّهْ ... - ... مقاصدُ الشرعِ بها مَرعِيَّهْ
يعني أن هذه المقاصد الثلاثة وهي المصلحة الضرورية والحاجية والتحسينية كلها قواعد كلية، أي كل واحد منها قاعدة كلية، أي شاملة للجزئيات دفعة، أي على سبيل الاستغراق. (مقاصد الشرع) أي أوامره ونواهيه (مرعية) أي محفوظة بها أي بسبب رعي تلك القواعد، فهي العلل في أحكام الشرع كلها، لأن الحكمة في إنزال الشرع رعي مصالح العباد بجلب النفع لهم ودفع الضرّ عنهم؛ والقواعد الثلاث قد اشتملت على جميع المصالح.
وليسَ رافِعًا لكُلِّيَّاتِها ... - ... تخلُّفٌ لبعضِ جُزئيَّاتها
يعني أن تخلف بعض جزئيات هذه القواعد الثلاث عنها لا يرفع كليتها أي لا يقدح في كونها كلية أي عامة، بل يكون لتلك الجزئية النادرة حكم الغالب من نظائرها وتبقى القاعدة على عمومها لأنها ثابتة بالوضع لا بالعقل، والغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار القطعي، لأن الجزئيات المختلفة لا تنتظم منها قاعدة تعارض هذه القاعدة الثابتة، ولأن الجزئية المختلفة قد يكون لها موجب إخراجها من القاعدة، ولأنها ثابتة بالوضع الاستقرائي، والقاعدة الوضعية لا يقدح فيها تخلف جزئية من جزئياتها عنها، وإنما يقدح ذلك في القواعد العقلية.
مثال تخلف جزئية من جزئيات المصلحة الضرورية: تخلف الحكمة في مشروعية العقوبة والازدجار عن المعصية، لأنا نجد من يعاقب ولا يزدجر عما عوقب عليه، وذلك لا يرفع العقوبة عنه، بل يعاقب كلما جنى.