فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 347

فصل

فضل الله على أهل التوحيد

ولقد أعظم الله المنة على أهل التوحيد وأجزل النعمة على ذوى التحقيق حيث أعتق أسرارهم من رق عبودية ما له مثل، والعبادة لما له شكل، فهو الّذي اصطفاك في القدم، وعصمك عن سجود الصنم، وإن لم يكن لك في العبودية صدق قدم، فأرجو أنك لا تحرم وجود الكرم.

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) تنفى التشبيه

فإن قيل: كيف دلت الآية على نفى التشبيه، وقد أثبتت المثل بقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .

فالجواب: أن الكاف صلة في قول بعضهم، ومعناه: ليس مثله شيء، والكاف تزاد في كلامهم على وجه الصلة كقوله القائل:

وصاليات ككما يؤثفين

وقيل: المثل صلة، ومعناه: ليس كهو شيء، وقيل: مثل الشيء يذكر والمراد به نفسه، كقول القائل: ليس هذا كلام مثلك، يعنى نفسه.

وقيل: إن التشبيه يكون بأحد شيئين: إما بالكاف وإما بالمثل، فجمع بين حرفى التشبيه ونفى بهما عن نفسه التشبيه، فكأنه قال: ليس مثله شيء وليس كهو شيء، وقد قيل هذا غاية نفى التشبيه، إذ لو كان له مثل لكان كمثله شيء وهو نفسه، فلما قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) دل على أنه ليس له مثل، وعليه دل سبحانه بقوله: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (النحل: 17) أفمن

هو كبير لم يزل كمن هو حقير لم يكن، أفمن هو جبار لا نقص له كمن هو مجبور لا غناء به، وكيف تشبه الحقيقة الخليقة، وكيف تماثل القدرة الفطرة.

وبما ذا يشبه من المصنوعات بالأرض أم بالسماوات أم يشبه بالشموس والأقمار أو الرسوم والآثار، أو الديار والأطلال، أو الأغيار والأشكال، والكل دان لجبروته، وناطق بدوام ملكوته، وأمارات الصنع على الجمع واضحة، ودلائل النقص على الكل لائحة، وأسرار العارفين بأنها مصنوعة مناجية.

وقوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) قد يوافق اللفظ اللفظ والاسم الاسم ولا يقتضي التشاكل لعدم التساوى بكل وجه خلافا للباطنية في قولهم: إن القديم لا يسمى شيئا، ولا لا شيء كاشتراك البياض والسواد في اسم اللون ووجوب مخالفتها على التحقيق (1) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وكيف يتساوى التراب برب الأرباب جل ذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت