وإذا عرف أنه المعز لم يطلب العز إلا منه، ولا يكون العز إلا في طاعته سبحانه.
وقال ذو النون المصرى: لو أراد الخلق أن يثبتوا لأحد عزا فوق ما يثبته اليسير من طاعته لم يقدروا، ولو اجتمع الخلق على أن يوجبوا لأحد ذلا أكثر مما يوجبه اليسير من ذلته ومخالفته لم يقدروا.
وقد حكى أن رجلا أمر بالمعروف هارون الرشيد فحنق عليه، وكانت له بغلة سيئة الخلق، فقال: اربطوه معها تقتله برمحها، ففعلوا ذلك فلم تضره، فقالوا: اطرحوه في بيت وطينوا عليه الباب ففعلوا، فرئى في بستان وباب البيت مسدود، فأخبر هارون بذلك، فأتى بالرجل وقال: من أخرجك من البيت؟ فقال: الّذي أدخلني البستان، فقال: ومن أدخلك البستان؟ قال: الّذي أخرجنى من البيت، فقال: أركبوه دابة وطوفوا به البلد وليقل قائل: ألا إن هارون أراد أن يذل عبدا أعزه الله فلم يقدر.
وحكى عن بعضهم أنه قال: رأيت رجلا في الطواف وبين يديه شاكرية، أى خدم.
قال القاموس: والشاكرى: الأجير، والمستخدم معرب چاكر. انتهى.
والخدم يطردون الناس عنه، فبعد ذلك بمدة رأيت إنسانا يتكفف على جسر بغداد ويسأل شيئا، قال: فكنت أنظر إليه وشبهته بذلك الرجل، فقال: إيش تنظر؟ فقلت: شبهتك برجل رأيته في الطواف من شأنه كذا وكذا، فقال: أنا ذاك الرجل، إنى تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه فوضعنى الله في موضع
يرتفع الناس فيه، قال الله سبحانه: (وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) (1) فليس إعزازه لعلة ولا إذلاله لعلة، بل هما حاصلان بالقضاء والمشيئة، صادران عن الإرادة والقضية.
ويليق بهذا الباب أن نذكر طرفا من معنى قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) (2) وقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (3) وكيف الجمع بينهما.
إن إحدى الآيتين توجب انفراده تعالى بالعزة، والثانية تشير إلى أن لغيره عزة، ولا منافاة بينهما بالحقيقة، لأن العز الّذي للرسول وللمؤمنين فهو لله تعالى ملكا وخلقا، وعزته سبحانه له وضعا، فإذا العز كله لله تبارك وتعالى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) آل عمران: 26.
(2) فاطر: 10.
(3) المنافقون: 8.