فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 347

باب في معنى قوله تعالى:

(وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها)

اعلم أن سبب نزول هذه الآية أن رجلا من المشركين سمع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين يدعون الله تعالى مرة، ويذكرون الرحمن الرحيم مرة، فقال: ما باله ينهانا عن عبادة الأصنام وهو يدعو إلهين اثنين، يقول مرة الله، ومرة الرحمن، فأنزل الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) وأراد به ولله التسميات، ولذلك قال الحسنى: وهي تأنيث الأحسن، ففى الآية دليل على أن الاسم هو المسمى في قوله: (وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) لأنه لو كان الاسم غير المسمى لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى، وفى الآية تعلق أيضا لمن قال: إن الاسم غير المسمى حيث قال: (الْأَسْماءُ الْحُسْنى) وهو سبحانه واحد والأسماء جمع، فلا بد من صرف اللفظ عن الظاهر إلى المجاز.

فلهذا قلنا: إن المراد به ولله التسميات، ووصف أسمائه بالحسنى يرجع إلى ما تتضمنه وتدل عليه من صفات العلو ونعوت العظمة والكبرياء، أو إلى ما يستحقه الذاكر والداعى له بتلك الأسماء من جزيل الثواب وحسن المآب.

وقوله جل ذكره (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ) أى أعرضوا عن أهل الإلحاد في دينه، يريد: لا تسلكوا سبيلهم ولا توافقوهم على طريقهم وخالفوهم في مذاهبهم.

ومعنى الإلحاد: الزيغ والذهاب عن السنن المستقيم والميل عن الطريق القويم، ومنه اللحد في القبر، والإلحاد في أسماء الله تعالى على وجهين:

بالزيادة على ما أذن فيه، أو النقصان عما أمر به، فالأول تشبيه، والثانى تعطيل، فإن المشبهة وصفوه بما لم يؤذن فيه، والمعطلة سلبوه ما اتصف به، ولهذا قال أهل الحق: ديننا طريق بين طريقين، يعنى لا تشبيه ولا تعطيل.

وسئل الشيخ أبو الحسن البوشنجي عن التوحيد فقال:"إثبات ذات غير مشبهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات".

وقد اختلف الناس في اشتقاق الاسم فمنهم من قال: إنه من السمو وهو العلو والرفعة، ومنهم من قال: إنه من الوسم والسمة، وهو الكى والعلامة، فعلى مقتضى اختلافهم من عرف أسماء الله تعالى يجب أن يتصف بهذين الوصفين، بالسمو والسمة، فتعلو همته، عن مساكنة الأغيار وملاحظة الرسوم والآثار والرضا بخسيس الأقذار، ويتسم بعبادة الجبار، ويتصف بنعت الافتقار، ويقوم بين يدى ربه بشواهد الانكسار، ويبرز في ميدان الاضطرار، وخمار الاحتقار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت