فهرس الكتاب

الصفحة 261 من 347

وإغناء الله تعالى لعباده على قسمين: منهم من يغنيه بتنمية أمواله، ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله، وهذا هو الغنى الحقيقي.

سمعت بعض المشايخ ببغداد قال: جاء رجل ببغداد إلى الجنيد فعرض عليه نفسه وماله وسأله أن يباسطه فيما يسنح له من حوائجه، فقال له: لعلك تحتاج إلى ما معك، فقال: لا، فإنى رجل موسر، ولى صامت وعقار وضياع، فقال: أتريد غيره وتستزيده إلى ما معك؟ فقال: نعم، فأخرج خرقة فيها كسوة فحلها وناوله إياه، وقال له: أضفها إلى ما معك، فإنى لست أحتاج إليها وأنت تحتاج إلى الزيادة، وصاحب الحال أبدا يجود على صاحب المال، وصاحب المال عيال على صاحب الحال، وصاحب المال يشفق وصاحب الحال ينفق ويتخلق مع الخلق بالهمة، والخلق إلى همة صاحب الحال أحوج منهم إلى نعمة صاحب المال.

يحكى أن أبا العباس الفقيه التبان، وكان موسرا عاد أبا بشر الخياط، وكان شيخا كبيرا فقال: إن لي ثوبا عرضته على كثير من الخياطين، وأردت أن يقطفوا لي منه ثوبا لنفسى فقالوا: لا يتم لك منه ثوب، فقدر أنت لعله يجيء ببركتك منه ثوب واسع، فقدره أبو بشر فوجده لا يجيء منه ثوب واسع كما أراد، فقال: يجيء إن شاء الله تعالى كما تريد، وحمل الثوب إلى حانوته واشترى من ماله قطعة توافق ذلك الثوب وخاطه كما أراد وحمله إليه فسر به أبو العباس التبان، فقيل لأبى بشر في ذلك: إن جود الفقير مع الغنى أتم من جود الغنى مع الفقير.

وأما المانع في وصفه جل جلاله فيكون بمعنى منع البلاء عن أوليائه ويكون بمعنى منع العطاء عمن شاء من أوليائه وأعدائه، فإذا منع البلاء عن أوليائه كان

ذلك لطفا جميلا، وإذا منع العطاء عن أوليائه كان ذلك أيضا فضلا جزيلا، وإذا لم يمنع الخير عن أعدائه كان ذلك في الحال احتجاجا عليهم واستدراجا، وإذا منعهم الخير في الآخرة كان عقوبة وإذلالا.

فصل: لا يقع في ملكه تعالى إلا ما أراده جل جلاله:

حكى أن موسى، عليه السلام قال في مناجاته: إلهي إنى جائع، فأوحى الله إليه إنى لأعلم ذلك يا موسى، قال: فأطعمنى، قال: حتى أريد.

ويحكى عن ابن المنكدر أنه قال: قلت ليلة في الطواف: اللهم اعصمنى، وأقسمت على الله طويلا، فرأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: أنت الّذي قلت: اعصمنى، فقلت: نعم، فقال: إنه لا يفعل، فقلت: لم؟ فقال: لأنه يريد أن يعصى حتى يغفر، وربما يكون في منعه لبعض عباده منع قلبه عما يضره بأن لا يخلق له إرادة ذلك، فيكون رفقا به، قال الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (1) وأنه سبحانه يعطى الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه لا يحمى قلب أحد عن المخالفات إلا وهو من خواص أوليائه، وقد يمنع التمنى والشهوات من نفوس العوام ويمنع الإرادات والاختيارات عن قلوب الخواص، ويمنع الشبهة عن القلوب والبدع عن العقائد والمخالفات في الأوقات والزلل عن النفوس من أجل النعم التى يخص بها عباده المقربين ويكرم به أولياءه المنتخبين جعلنا الله من جملتهم وحشرنا في زمرتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأنفال: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت