فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 347

الحكم وتعلقت به الإرادة والعلم، وأنه تعالى إذا أخر العقوبة عن المستحقين فبفضل منه سبحانه يخصهم به.

حكى أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لما رأى ملكوت السماوات والأرض رأى عاصيا يعمل معصية فقال: اللهم أهلكه، فأهلكه الله، فرأى إنسانا آخر يعصى فقال: اللهم أهلكه، فأهلكه الله، فرأى ثالثا يعصى فقال: اللهم أهلكه، فأهلكه الله، فرأى رابعا يعصى فقال مثل ذلك، فأوحى الله إليه: كف يا إبراهيم، فلو أهلكنا كل عاص رأيناه لم نبق منهم أحدا، ولكنا بحلمنا لا نعذبهم، فإما أن يتوبوا وإما أن يصروا فلا يفوتنا شيء.

وحكى أن رجلا قال لبعض الأنبياء: كم أخالفه وأعصيه ولا يعاقبنى، فأوحى الله إلى ذلك النبي: قل لفلان: ذلك لتعلم أنى أنا، وأنت أنت.

وقد يكون من معلوم الله تعالى من أحوال بعض العصاة أنه يتوب ويحسن حاله فيحلم عنه في الوقت، لأنه يعلم أنه يصير من جملة أوليائه في مآله.

وأنشدوا:

إذا فسد الإنسان بعد صلاحه ... فرج له عود الصلاح لعله

يحكى عن مالك بن دينار أنه قال: كان لي جار مسرف على نفسه، وكان يتعاطى الفواحش، وتبرم به الجيران فأتونى شاكين به متظلمين منه، فأحضرناه وقلنا له: إن هؤلاء الجيران يشكونك فسبيلك أن تخرج من المحلة، فقال: أنا في منزلى لا أخرج، فقلنا تبيع دارك، فقال: لا أبيع ملكى ولا يمكنكم أن تخرجونى منه، فقلت: نشكوك إلى السلطان، فقال إن السلطان يعرفنى وأنا من أعوانه، فقلت ندعو الله عليك، فقال: الله أرحم بى منكم، فغاظنى ذلك، فلما

أمسيت قمت وصليت، فلما فرغت من الصلاة دعوت عليه، فهتف بى هاتف: لا تدع عليه فإن الفتى من أولياء الله، قال: فلما أصبحت جئت باب داره ودققته عليه، فلما خرج ورآنى ظن أنى جئت لأخرجه من المحلة فقال كالمعتذر، فقلت: ما جئت لذلك، ولكن رأيت كذا وكذا، قال: فوقع عليه البكا وقال: إنى تبت بعد ما كان هذا، قال: وخرج من البلد ولم أره بعد ذلك، قال: فاتفق أنى خرجت إلى الحج فرأيت في المسجد الحرام حلقة فتقدمت إليهم فرأيت ذلك الشاب عليلا مطروحا، قال: فلم ألبث حتى قالوا: قضى الشاب، رحمه الله.

فصل: يلذ حلمه لرجاء عفوه:

وإنما يلذ حلمه لرجاء عفوه، لأنه إذا ستر في الحال بفضله فالمأمول منه أن يعفو في المآل بلطفه.

وفى بعض الحكايات أن بعضهم رئى في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أعطانى كتابى بيمينى فمررت بزلة استحييت أن أقرأها، فقال: لا بد من قراءتها، فقلت: إلهي، لا تفضحنى، فقال: حين عملتها ولم تستح لم أفضحك، أفأفضحك وأنت تستحى.

ومن حلمه أنه لا يستفزه عصيان العاصين، ولا يحمله على سرعة الانتقام تهتك الخاطئين، فيحلم حتى يظن الجاهل أنه ليس يعلم، ويستر حتى يتوهم الغمر (1) أنه ليس يبصر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغمر: هو الّذي ليس له تجارب في أمور الحياة، يقصد هنا الجاهل بالله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت