فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 347

فالعزيز من يمتنع فيشكر، ويبتلى فلا يشكو من يعرفه ولا يضجر، يستلذ لحكمته الهوان، ويستحلى منه الحرمان دون الإحسان، وفى معناه أنشدوا:

وأهنتنى فأهنت نفسى صاغرا ... ما من يهون عليك ممن يكرم

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذا كان حظى منك حظى منهم

وكان الدقاق، رحمه الله تعالى، كثيرا ما يقول: إنما يستعذب الأولياء البلوى للمناجاة مع المولى.

واعلم أن القلوب مجبولة على أن تتحمل المشاق من الأكابر والأعزة، والانقياد إلى أحكام من تجل رتبته بمواطأة القلب حتم مستحسن، ولهذا قيل: إنما يعرفه عزيزا من أعز أمره وطاعته، فأما من استهان بأوامره فمن المحال أن يكون متحققا بعزة مولاه.

وفى هذا المعنى حكى أن رجلا قال لبعض العارفين: كيف الطريق إليه؟ فقال: لو عرفته عرفت الطريق إليه، فقال: أتراني أعبد من لا أعرفه؟ فقال المسئول: أو تعصى من تعرفه.

وقيل لبعضهم: ما علامة أنك تعرفه؟ فقال: لا أهم بمخالفته إلا نادانى من قلبى مناد: أستحي منه.

وقيل لبعضهم: متى عرفته؟ فقال: ما عصيته منذ عرفته.

وقيل: العزيز من لا يرتقى إليه وهم طمعا في تقديره ولا يسمو إلى صمديته، فهم قصد إلى تصوير، وقيل العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته، وحارت الألباب دون إدراك نعمته، وكلت الألسن عن استيفاء مدح جلاله، ووصف جماله، وفى معناه أنشدوا:

وكل من أغرق في نعته ... أصبح منسوبا إلى العى

قال سيد الأولين والآخرين وخطيب المرسلين صلوات الله عليه وعلى آله أجمعين، بعد ما بالغ في ثنائه سبحانه وتعالى ونعت كبريائه: لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

فصل: آداب من عرف أنه العزيز جل جلاله:

ومن آداب من عرف أنه العزيز أن لا يعتقد لمخلوق إجلالا (1) ، ولهذا قالوا: المعرفة حقر الأقدار سوى قدره، ومحو الأذكار سوى ذكره، وقال صلى الله عليه وسلم:"من تواضع لغنى لأجل غناه ذهب ثلثا دينه".

سمعت الدقاق يقول: إنما قال:"ذهب ثلثا دينه"لأن المرء بثلاثة أشياء: قلبه، ولسانه، وبدنه، فإذا تواضع بلسانه وبدنه ذهب ثلثا دينه، فلو اعتقد بقلبه ما حصل منه لسانه وبدنه للغنى لأجل غناه من التواضع لذهب دينه كله، وقيل: إذا عظم الرب في القلب صغر الخلق في العين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والعزيز من العباد من يحتاج إليه عباد الله تعالى في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية، وذلك مما يقل - لا محالة - وجوده ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء، صلوات الله عليهم، ويشاركه في العز من يتفرد بالقرب من درجتهم في عصره كالخلفاء الراشدين وورثتهم من العلماء، وعن كل واحد منهم بقدر علو مرتبته عن سهولة النيل والمشاركة، وبقدر عنائه من إرشاد الخلق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت