ومن آداب من علم أنه الفتاح أن يكون حسن الانتظار لوجود لطفه، دائم الترقب لحصول فضله، مستديم التطلع لنيل كرمه، تاركا للاستعجال عليه، ساكنا تحت جريان الحكم، عالما بأنه لا يقدم ما حكم بتأخيره، ولا يؤخر ما حكم بتقديمه.
ويحكى أن رجلا كان يؤذن لأمير المؤمنين على رضي الله عنه في مسجده، وكانت تخرج من دار على رضي الله عنه جارية تستسقى بالغدوات، فكان المؤذن يقول لها كل يوم: يا فلانة، إنى أحبك، فشكت يوما إلى عليّ رضي الله عنه وقالت: إن المؤذن يقول لي كل يوم: إنى أحبك، فقال على رضي الله عنه: قولي له: وأنا أيضا أحبك، فإيش بعد هذا؟ فقالت الجارية للمؤذن ذلك، فقال المؤذن: إذا نصبر حتى يحكم الله بيننا، فذكرت ذلك لعلى رضي الله عنه فدعا بالمؤذن وسأله عن القصة، فأخبره بالصدق، فقال على رضوان الله عليه: خذ بيدها واحملها إلى بيتك، فقد حكم الله بينكما.
وقيل: إن رجلا باع جارية فندم واستحى أن يقول ذلك للناس، وأن يعود إلى المشترى، فكتب على كفه حاجته ورفع يده إلى السماء ولم يقل بلسانه شيئا فرأى المشترى في المنام: أن قلب ولينا مشغول بالجارية، فردها عليه وأجرك عليّ، فلما أصبح الرجل حمل الجارية إلى البائع ودق الباب عليه، فقال: من أنت: فقال: مشترى الجارية، فقال: اصبر حتى أخرج الثمن، فقال: أردها بلا ثمن، فقد رضيت بما يعطينى الله بها من الأجر.
وروى أن رجلا من الفقراء طلب قلبه يوما فخرج في وجده وطلب بلاد
الروم، من غير قصد، فأسر وأقيم للبيع فيمن يزيد، والرجل في سكره، فأفاق ورأى نفسه على تلك الحالة فقال:
أقامنى حبك فيمن يزيد ... في صفة الذل ونعت العبيد
ما ضرنى مبتاع أم مشترى ... في حبكم لأن أمرى رشيد
مولاى ولهى بلغ ما ترى ... فكيف نمدح غيركم يا حميد
قد حضر البائع والمشترى ... عبدك موقوف فما ذا تريد
قال: فتغافلوا عنه في تلك الحالة ومضى الرجل على وجهه، وخرج من بلاد الروم إلى بلاد الإسلام، ولم يقل له أحد شيئا.