وتعالى محمود، وهذا أيضا من صفات ذاته لأن تكبره هو استحقاقه لصفات العلو وتقدسه عن النقائص ولوجوده هو كذلك.
وقيل: الجبار من قولهم: جبرته على الأمر وأجبرته أى: أكرهته، وأجبرته في الإكراء أكثر من قولهم جبرته، فيكون على هذا أنه يحصل مراده من خلقه، ولا يجرى في سلطانه إلا ما يريد، شاء الخلق أم أبوا، أو الإكراه من صفات الفعل، وقيل: إن الجبار من قولهم: جبرت الكسر إذا أصلحته، يقال: جبرت العظم وأجبرته، وجبرت أكثر في الاصطلاح من أجبرت، قال الشاعر:
قد جبر الدين الإله فجبر
وعلى هذا يكون من صفات فعله، والاسم إذا احتمل معاني مما يصح في وصفه فمن دعاه بذلك الاسم فقد أثنى عليه بتلك المعاني، فهو الجبار على معنى أنه عزيز متكبر محسن إلى عباده، لا يجرى في سلطانه شيء يخالف مراده.
آداب من عرف اسمه تعالى الجبار:
فأما آداب من عرف أنه لا تناله الأيدى لعلو قدره فهو أن يتحقق بأنه لا سبيل إليه، ولا بد له من الوقوف بين يديه، فلا يصيب العبد منه إلا لطفه وإحسانه ليوم عرفانه، وغدا غفرانه، ثم ثوابه وامتنانه وعفوه ورضوانه، وأنشدوا:
فلا نيل إلا ما تزود ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الّذي يسرى
وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... نضئ لمن يسرى إلينا ولا نقرى
وإذا علم أن الجبار بمعنى مصلح الأمور، فوض أموره إلبه، وتوكل في جميع أحواله عليه، إن كان خيرا علم أنه مسديه ومتحفه، وإن كان ضرا علم أنه ينجيه منه ويكشفه، لم يحتشم من اختلال أحواله وقلّة ماله، وكثرة عياله، وضعف احتياله، ثقة بلطفه وأفضاله، واستكانة إلى جوده وكريم نواله وحسن أفعاله.
وقد حكى أن رجلا كان كثير العيال، وأنه ضاقت عليه أسباب المعيشة فهمّ أن يهرب عنهم، فاستقبله شخص فقال له: هل تأجرنى على أن تسقى طيرا لي في القفص فترويه وتأخذ منى دينارا، فاسترخص الرجل ذلك، وأجابه إليه، فدله على بئر وقال: تستقى من هذا البئر وتروى هذا الطائر، فلم يزل الرجل يسقى الطائر طول نهاره إلى المساء، والطائر لم يرو، فلما أمسى ضاق صدر الرجل، فقال له ذلك الشخص: إنى لست ببشر، وإنما أنا ملك بعثنى الله إليك ليريك ضعفك، إنك لم تقدر أن تروى طائرا، فكيف ترزق عيالك! ارجع إليهم وانتظر الرزق من الله تعالى، فإنه هو الرزاق لا أنت.
وحكى عن بعض الصالحين أنه سئل عن سبب توبته فقال: إنى كنت رجلا دهقانا (الدهقان يطلق على رئيس القرية) فاجتمع عليّ أشغال ليلة من الليالى، كنت أحتاج إلى أن أسقى زرعا لي، وكنت حملت حنطة إلى الطاحونة فوثب حمارى وضل، فقلت: إن اشتغلت بطلب الحمار فات سقى الزرع، وإن اشتغلت بالسقى ضاع الطحين والحمار، وكان ذلك ليلة الجمعة، وبين قريتى وبين الجامع مسافة بعيدة، فقلت: أترك هذه الأمور كلها وأمضى إلى القصبة (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) القصبة من البلاد مدينتها.