فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 347

فاعلم أن الله سبحانه يكاشف القلوب مرة بوصف جلاله، ومرة بوصف جماله، فإذا كاشفها بنعت جماله سارت أحواله عطشا في عطش، وإذا كاشفها بوصف جلاله صارت أحواله دهشا في دهش، ومن كاشفه بجلاله أفناه، ومن كاشفه بجماله أحياه، فكشف الجلال يوجب محوا وغيبة، وكشف الجمال يوجب صحوا وقربة، وكشف الجلال يوجب اجتياحا وثبورا، وكشف الجمال يوجب ارتياحا وسرورا، والعارفون كاشفهم بجلاله فغابوا، والمحبون كاشفهم بجماله فطابوا، فمن غاب فهو مهيم، ومن طاب فهم مقيم.

فصل: اختصاص الله سبحانه وتعالى الأبرار:

واعلم أن الله سبحانه يختص الأبرار بما يسقيهم من شراب محابه، ويخص الأحباب بما يلقّيهم من روح أنسه وإتحافه.

فطائفة يحضرهم بلطفه، وطائفة يسكرهم بكشفه، فمن أحضره بسطه، ومن أسكره أخذه عما نيط به واستلبه.

والحقائق إذا اصطلحت على القلوب لا تبقى ولا تذر، والمعاني إذا استولت على الأسرار فلا عين ولا أثر، وإن للعلوم على القلوب مطالب وللحقائق سلطان يغلب أقسام المراتب، فالحال تؤذن حتى ليس الأقرب، والحقائق تبرز نعت الصمدية حتى لا قرب، وفى معناه أنشدوا:

يا من أشاهده عندى فأحسبه ... منى قريبا وقد عزت مطالبه

وأنشدوا:

فقلت لأصحابى هي الشمس ضوؤها ... قريب ولكن في تناولها بعد

وأنشدوا:

بأى نواحى الأرض أبغى وصالكم ... وأنتم ملوك ما لمقصدكم نجد

واعلم أن العابدين شهدوا أفضاله فبدلوا نفوسهم، والعارفين شهدوا جلاله فبذلوا له قلوبهم، والمحبين شهدوا جماله فبذلوا له أرواحهم، بل من كان له علم اليقين وجد أفضاله، ومن له عين اليقين شهد جلاله، ومن له حق اليقين شهد جماله.

فصل: قلوب العابدين وأسرار العارفين:

واعلم أن الله سبحانه وتعالى جعل تقلب قلوب العابدين بين شهود ثوابه وأفضاله وشهود عذابه وأنكاله، فإذا فكروا في أفضاله ازدادت رغبتهم، وإذا فكروا في عذابه وأنكاله ازدادت رهبتهم، وأنه جعل تنزه أسرار العارفين في شهود جلاله وجماله، فإذا كوشفوا بنعت الجلال فأحوالهم طمس في طمس، وإذا كوشفوا بوصف الجمال، فأحوالهم أنس في أنس، كما قال قائلهم:

جمالك نزهتى ورضاك عيشى ... وحبك لي من الأديان دين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت