فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 347

وكان الدقاق يقول: إن القلوب كانت متفرقة في الدنيا فقبضها الله تعالى عنها بقوله: (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) (النساء: 77) فلما تعلقت القلوب بالآخرة قطعها الله سبحانه عنها بقوله: (وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى) (طه: 73) .

وقال يحيى بن معاذ: الزاهد صيد الحق من الدنيا، والعارف صيد الحق من الآخرة.

ولا غرو أن يزهد عارف بمن لم يزل في حاصل بعد أن لم يكن إذا صفت همته عن كدورة أمنيته، وتخلص سره عن وحشة حجبته، وهذا المتنبى قال: من رأس دعواه على سبيل العادة من غير تحقيقه بمعنى ما قال، وكل ما خلق الله وما لم يخلق محتقر في همتى، كشعرة في مفرقى.

وأما من قال:"تبارك"أى تعظم فمن طالع عظمته، وشاهد سلطانه ورفعته، وتحقق علوه وعزته، نسى صولته، وترك سطوته، فلا يدعى في شيء أنه من حوله وقوته، ولا يرى شيئا بقدرته واستطاعته، واعتصم بعجزه وفاقته، وفى معناه أنشدوا:

أذل فأعزز به من مذل ... ومن طالب لدمى مستحل

إذا ما تعزز قابلته ... بذل وذلك جهد المقل

فكنت لعزته خاضعا ... ولو لا جلالته لم أذل

وقال بعض المشايخ: إذا عظم الرب في القلب صغر الخلق في العين،

وعلامة من صغر الخلق في عينه رؤية الإفلاس، والتحقق باليأس من الناس، ولزوم الورع، وقطع الطمع.

ووقف بعضهم على بعض عقلاء المجانين، فقال: ألك حاجة؟ فقال: نعم، قال: وما هي؟ قال: تزحزحنى عن النار وتدخلنى الجنة، فقال: ذلك ليس إلى، فقال: لم سألتنى عن حاجة لا تقدر على قضائها؟.

قال: وسئل بعضهم عن التصوف فقال: ذبح الأمانى بسكاكين اليأس، فهاهنا يجد العبد العذر.

لهذا قال بعضهم: التصوف التكبر على أهل الدارين ثقة بالله تعالى.

وقال بعضهم لرابعة العدوية: إن فلانا صديقك يريد أن يواصيك بشيء من الدنيا، فقالت: إن صديقنا فلان وفلان وكلنا عبيد، ومن المحال أن الله يرزقهم ويتركنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت