فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 347

وألذها، قال الله تعالى: (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) (1) ، ثم إنه جعل قوت الأشباح الطعام والشراب وجعل قوت الأرواح المعاني التى لها قدرها ورتبتها، وبها يحصل تفاوت درجاتها، فمن أقوات القلوب والأرواح العقل الّذي به نظام جميع المحاسن، فمن رزقه الله العقل أكرمه وأزانه، ومن حرمه ذلك فقد أذله وأهانه، قيل: إن جبريل عليه السلام جاء إلى آدم عليه السلام وقال: إنى أتيتك بثلاثة أشياء، فاختر منها واحدا، فقال: وما هي: فقال: العقل والدين والحياء، فقال آدم: اخترت العقل، فخرج جبريل وقال: إنه اختار العقل، فانصرفا أنتما، فقال الدين والحياء: إنما أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان.

ولهذا قيل: ما خلق الله تعالى شيئا أحسن من العقل، وسئل بعضهم عن معنى العقل فقال: لم يعط أحد كماله فيوصف، وأن الله تعالى إذ شغل العبد بطاعته أقام لأجله من يقوم بشغله، فإذا اشتغل العبد بطاعة ربه جعل الحق سبحانه من يقوم بخدمة عبده، وإذا رجع إلى متابعة شهوته وتحصيل أمنيته وكله إلى حوله وقوته ورفع عنه ظل عنايته.

سمعت منصور المغربى يقول: كان الكتانى بمكة، وكان له خادم يخدمه، وكان في المسجد شاب حسن الجلسة، فكان الكتانى إذا فتح عليه بشيء قال لخادمه: ابدأ بذلك الشاب، فقال الخادم له يوما: كنت تأمرنى أن أبدأ بذلك الشاب ولم تقل لي ذلك منذ أيام، فقال: إنى رأيته في الحذائين يطلب شعسا، ومن أمكنه أن يحتال لنفسه شعسا قد سقط منا فرضه.

أشار بهذا أنه إنما كان ذلك الشيخ منصوبا لمراعاة حقه وتقديمه على أشكاله لما لم يكن الشاب محترفا لنفسه، فحيث اتصف باحتياله في بعض أحواله رد إلى أفعاله واختياره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يونس: 93.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت