والذي يبدو للباحث أن الأصل في المميز أن يكون مضافًا إضافةً بيانية سواء أكانت تلك الإضافة بإضافة اسم إلى اسمٍ نحو: مائة رجلٍ ، وخاتم ذهبٍ ، ورطل عسلٍ ، وقفيز برٍّ ، أم كانت بالإضافة الحاصلة بوساطة حرف الجر نحو: مائةٌ من الرجال ، خاتمٌ من الذهبِ ، ورطلٌ من عسلٍ وقفيزٌ من برٍّ ، والنصب في المميز صورة محولةٌ عن صورة الجر بحرف الجر ، فلما نزع حرف الجر انتصب الاسم ولا يستثنى من ذلك إلا بعض صور المميز المحول ، فلا تباشره مِنْ ، وإن كان على تقديرها لكونها الأصل في التبيين ، والعذرُ في عدم مباشرتها إياه أن هذا النوع من المميزات أشياء مزالة عن أصلها (1) وهو الفاعل أو المفعول أو المبتدأ المضاف ، فلم يمكن إدخال من عليها مراعاةً لأصلها (2) .
ووجه هذا الاختيار أن الجر بحرف الجر المفيد للتبيين نصٌ في التمييز (3) ، والنصب محتمل له ولغيره أحيانًا كاحتمال التمييز والحال في نحو: لله دره فارسًا ، وحبذا زيد راكبًا ، وكرم زيدٌ ضيفًا . فالمنصوب يحتمل أن يكون حالًا أو مميزًا فإذا دخلت عليه من كان نصًّا في التمييز ، فما كان نصًّا في بابه أولى أن يكون أصلًا .
ومما يحتمل أن يكون مميزًا أو مفعولًا به ، قولك: كم رجلًا قابلتَ ؟ وكم ضربتَ رجلًا ! فإذا أريد إزالة اللبس ، والتنصيص على التمييز جيء بمن . ومن ذلك قوله تعالى: { كم تركوا من جناتٍ وعيونٍ } (4) .
(1) ينظر: شرح المفصل: 2/74 ، والإيضاح في شرح المفصل: 1/357.
(2) ينظر: النكت الحسان: 102 ، وحاشية ياسين على الألفية: 1/327 - 328.
(3) ينظر: جامع البيان: 8/533 ، والأصول في النحو: 1/226 ، والتعليقة: 1/318 ، وشرح الكافية: 2/106 109، وارتشاف الضرب: 2/380 ، 3/30 ، والبحر المحيط: 3/523 ، وتذكرة النحاة: 464 ، وشرح شذور الذهب: 257 ، ومغني اللبيب: 732 ، وائتلاف النصرة: 97 ، وخزانة الأدب: 3/290 ، ومعاني النحو: 761 .
(4) الدخان: 25 .