الحمدُ لله وحدهَ ، والصلاةُ ، والسلامُ على مَنْ لا نبيَ بعدَه ، وعلى آله وصحبه ، ومَنِ اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعدُ ، فالناظرُ في كتب النحو العربي يجدُ أنَّ نزع الخافض موضوعٌ يتجاذبهُ بابانِ كبيران من أبواب أصول النحو العربي ؛ السماعُ والقياس ، فما يَعُدُّه نحويٌ سماعًا يُحفظ يعدُّه آخرُ قياسًا يُحتذي ، لذا يرغب الباحثُ في أن يكون هذا البحثُ محاولةً للتخلُّص من الاضطراب المنتشر في كتب النحو العربي في الحكم على نزع الخافض ، ولتمييز المسموع منه من المقيس ، ومحاولةً - أيضًا - لتقييد الإطلاقات في الحكم على نزع الخافض بالشذوذ والضعف والقُبح على مواضعها اللائقة بها .
ثم إنَّه لم يستقرَّ لهذا الموضوعِ مصطلحٌ ، فهلْ هو نزعُ الخافض ، أو الحذفُ والإيصالُ ، أو الحذفُ والإضمار ، أو الاتِّساع أو غيرُ ذلك مما سيأتي بيانُه ؟ ولا يخفى أهميةُ تحديد المصطلحاتِ، واختيارُ المصطلحِ المناسبِ الذي يصحُّ إطلاقُه على جزئيات المادة ، وهو ما يرجوه الباحثُ
وفي حدود ما أعلمُ ، وبعد التتبُّعِ وسؤالِ ذوي الخبرة ، وجدتُ أنَّ هذا الموضوعَ لم ينلْ حظَّه من البحث ، بحيثُ يفردُ برسالةٍ جامعيَّةٍ متخصصة ، وما كُتِبَ فيه من بحوثٍ لم يكن جامعًا لمسائله وأحكامه ، وممن كتب فيه:
محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل ( ت: 1298هـ ) ، وقفتُ له على رسالة وَسَمَها بـ ( تعريفُ مَنِ انتصَبَ لتلقِّي الوهبِ الفائض ، بحدِّ المنصوبِ من الأسماءِ بنزعِ الخافض ) وهي رسالةٌ لا تزال مخطوطةً ، صغيرةٌ جدًا ، لا تتجاوز صفحتين ونصفَ صفحةٍ ، كلماتُها لا تزيدُ على خمسِمائةِ كلمةٍ ، وأكثرُها نقلٌ من شرح التسهيل للدمامينى ( ت: 827هـ ) .
مصطفى جواد ( ت: 1389 هـ ) ، فقد بحث في كتابه ( دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم ) مسألةَ نزع الخافض ، وأتى بآراءٍ بديعةٍ وصفَها بأنها"لم يسلكْها علماءُ النحو القدامى" (1) ، ولكنَّه لم يجاوزْ بنزع الخافض حدودَ حذفِ حرف الجر وإيصالِ عمل الفعل إلى المفعول ، فلم يطْرُقْ بابَ حذفِ حرف الجر وإبقاءِ عمله في الاسم بعدَه ، ولا حذفِ المضاف ألبتة .
وممن كتَبَ فيه - أيضًا- عبد الحميد السيد طلب ، فقد أفردَه ببحثٍ في المجلة العربية للعلوم الإنسانية في نحو اثنتيْ عشرةَ صفحةً بعنوان ( نزعُ الخافض عاملٌ نحويٌّ مطَّردٌ للنصب ) بحَث فيه موضوعَ نزع الخافض في إطار العوامل المعنوية بحيثُ ينتصبُ الاسمُ بعد نزع حرف الجر ، فلم يتجاوز بحثُه حدَّ الحذف والإيصال ، غيرَ أنه جعَلَ العملَ للنزع لا للفعل وما أشبهه ، وفسح الطريقَ للقول بنزع الخافض في المفعول فيه والتمييز ، ولم يقصره على المفعول به .