وقد يقال: لِمَ لا تكون صورة العطف على الضمير المجرور بالحرف من باب نزع حرف الجر وبقاء عمله لتقدم ذكره وانضباط موضعه ؟ فعلام رجحتَ العطف هاهنا ؟
والجواب عن ذلك أن العطف على الضمير المجرور هو الظاهر والمتناول القريب ولا مانع منه والقاعدة أنه"لا يصار إلى الأمر الخفي إذا أمكن العمل بالظاهر الجلي" (1) ولا يترك الظاهر إلى المقدر إلا إذا كان المقدر أقوى منه (2) ، فإن كان مقاربًا له فعدمُ التقدير أولى من التقدير .
ولهذا لا يمتنع تقدير حرف الجر حين يقوى داعي التقدير كالتصريح بالجار المحذوف في موضع آخر، من ذلك قوله تعالى: { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ } (3) فقد قرأ ابن مسعود ( وبالأرحامِ ) (4) فتقدير حرف الجر في قراءة حمزة أولى من العطف على الضمير المجرور .
إذا نزع حرف الجر ، فإما أن ينتصبَ الاسمُ وإما أن يبقى مجرورًا على حاله ، وكلُّ ذلك إما قياسي وإما سماعي ، وقد تقدم بيان ذلك في المبحثين السابقين من هذا الفصل . وثمة مواضعُ ينزع فيها حرف الجر ولا يظهر أثرُه في مدخوله أنصبٌ هو أم جر ؟ فلما كان المحلُّ محتملًا لهما جرى فريق من النحويين على الأكثر في ما ينزع منه حرف الجر وهو النصب ، وذهب آخرون إلى إبقائه مجرورًا ، ولكلٍّ وجهةٌ .
وهذه المواضع التي ينزع فيها حرف الجر والمحلُّ فيها محتمِلٌ للنصب والجر تندرج في مسألتين:
(1) شرح الكافية: 2/308 . وينظر: مغني اللبيب: 340 ، 567 ، 786 .
(2) ينظر: شرح الكافية: 3/481 .
(3) النساء: 1 . وقد سبق تخريج القراءات فيها ينظر: 167 .
(4) ينظر: البحر المحيط: 3/498 .