غير أنه يمكن أن يكون هذا التوجيه مقدمة للأظهر من التوجيهات في بيان إعراب الجملة المعلق عاملُها المتعدي بوساطة حرف الجر - في نظر الباحث - وهو أن يكون محلُّها النصبَ لوقوعها موقعَ الجار والمجرور المحذوفين ، فالأصل في نحو: فكرت أهذا صحيح ؟: فكرت في الأمر أهذا صحيح أم لا ؟ فلما حذف الجار والمجرور نابت الجملة منابه وأخذت موقعه ، وللشهاب الخفاجي فضل الإشارة إلى هذا التوجيه ، فقد قال في قوله تعالى: { يستنبؤنك أحقٌّ هو } (1) :"استنبأ المشهور فيها أن تتعدى إلى مفعولين أحدهما بدون واسطة ، والآخر بواسطة عن ، والمفعول الأول هنا هو الكاف والثاني قامت مقامه الجملة لأن المعنى: يسألونك عن جواب هذا السؤال ، إذ الاستفهام لا يسأل عنه" (2) وللدسوقي ( ت: 1230هـ ) التفاتةٌ إلى ذلك حين ذهب إلى"أن الجملة حلّت محل الجار والمجرور فمن ثمَّ كان معنى الجار ملاحظًا فيها ... ولا يلاحظ أن الأصل كان جارًّا داخلًا عليها" (3)
نزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه
كثرتُه ، وحكمُه من حيثُ السماعُ والقياسُ
لا يختلف العلماءُ في ثبوت نزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ولا في كون ذلك كثيرًا في العربية ، وإن كانوا قد يختلفون في تخريج كثيرٍ من شواهده ، هل هي من قبيل نزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أولا ، يستوي في ذلك الذاهبون مذهب التوسع في التخريج عليه ، والواقفون موقفَ التثبُّتِ من إطلاق تقديره في كل موضعٍ سنح القولُ به ، ويستوي في ذلك أيضًا القائلون بقياسيته والمانعون من القياس عليه .
(1) يونس: 53 .
(2) حاشية الشهاب: 5/65 . وينظر: روح المعاني: 6/128 .
(3) حاشية الدسوقي: 2/472 ، وينظر: حاشية الأمير: 2/65 .