-ثمة وجه رابع - لا يخلو من تكلُّف كسابقه - وهو أن تكون الجملة المعلَّق عاملها بدلًا من الجار والمجرور المحذوف فهي في محل نصب ، لأن موضع الجار والمجرور نصب فالتقدير في ، نحو: انظر أيَّ الرِّجْلَينِ تقدِّم وأيَّهما تؤخر ؟ أي: انظر في أمرك أيَّ الرجلين تقدم . ويمكن أن يستدل لهذا الوجه بأنه قد جاءت الجملة المعلق عاملها بعد أن استوفى الفعل معمولاته بما في ذلك الجار والمجرور في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: { وانظر إلى العظام كيف ننشزها } (1) وقوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } (2) وقوله تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَتْ } (3) وخُرِّجت الجملة في كل تلك المواضع على أنها - على الأصح - بدل اشتمال من موضع الجار والمجرور (4) على تقدير مضاف مع المجرور ، فالتقدير في الآيات المذكورات: أفلا ينظرون إلى حال الإبل كيف خلقت ، ويسألونك عن وقت الساعة أيان مرساها ، وانظر إلى حال العظام كيف ننشزها . فتحمل المواضع التي وَلِيَتْ فيها الجملةُ المصدَّرةُ بالمعلِّق الفعلَ المعلَّق على أنه قد حُذِفَ منها الجار والمجرور وجاءت هذه الجملة بدلًا منه .
ويُرَدُّ هذا التوجيهُ بأن بدل الاشتمال يمنع من أن يكون المبدل منه مقدرًا لمخالفته الغرض الذي يأتي لأجله ، وهو البيان بعد الإجمال والتفسير بعد الإبهام (5) .
(1) البقرة: 259 .
(2) الأعراف: 187 .
(3) الغاشية: 17 .
(4) ينظر: التبيان: 1/606 ، والبحر المحيط: 2/638 ، 5/237 ، 10/465 .
(5) ينظر: شرح الكافية: 2/410 ، وهذا البحث: 33 .