وفي قبول رواية من كان على هذه الشاكلة، إن كان معروفًا في التحرز من الكذب مشهورا بالسلامة من خوارم المروءة موصوفا بالديانة والعبادة .
3-حكمُ رواية المبتدع:
لقد تضاربت فيه مذاهب أهل الحديث ، بين قبول حديث الموصوف به وردِّه ، أو قبوله في حال وردِّه في حال .
مذاهب أهل العلم في ردِّ حديث أهل البدع أو قبوله:
هي محصورة في أربعة مذاهب:
المذهب الأول: ترك حديثهم مطلقًا ، أي: البدعة جِرحة مسقطٌةٌ للعدالة .
المذهب الثاني: التفريقُ بحسب شدة البدعة وخفتها في نفسها ، وبحسب الغلو فيها أو عدمه بالنسبة إلى صاحبها .
المذهب الثالث: التفريقُ بين الداعي إلى بدعته ، وغير الداعي ، فيردُّ الأول ، ويقبلُ الثاني .
المذهب الرابع: عدم اعتبار البدعة جرحًا مسقطًا لحديث الراوي ، لما تقوم عليه من التأويل ، وإنما العبرة بالحفظ والإتقان والصدق ، والسلامة من الفسق والكذب .
وخلاصة الفصل في هذا:
أن ما قيل من مجانبة حديث المبتدع ، ففيه اعتبار الزمان الذي كانت الرواية فيه قائمة ، ومرجع الناس إلى نقلة الأخبار في الأمصار ، وما كان قد حصر يومئذ بيان أحوال الرواة ، أما بعد أن أقام الله بأهل هذا الشأن القسطاس المستقيم (علم الجرح والتعديل) فميَّزوا أهل الصدق من غيرهم ، وفضح الله بهذا العلم خلائق من أهل الأهواء والبدع وافتضحوا بالكذب في الحديث ، فأسقطهم الله ، كما أصاب الهوى بعض متعصبة السنَّة ، فوقعوا في الكذب في الحديث كذلك ، وهو وإن كانوا أقل عددًا من أصحاب البدع ، إلا أنهم شاركوهم في داعية الهوى والعصبية ، ومقابل هؤلاء وأولئك من ثبت له وصف الصِّدق من الفريقين ، فأثبت أئمة الشأن له ذلك ، فلا يكون في التحقيق وصفُ من وصفوه بالصِّدق إلا من أجل ما روى .اهـ [1]
(1) - انظر تحرير علوم الحديث لعبدالله الجديع (ج 1 / ص 258-269)