ولو جاريت مجرد دلالة اللفظ اللغوية ، لوجدت بينها وبين ( لا بأس به ) فرقًا ، وذلك شبيه بما حدث به عبد الله بن عون ، قال: قال ابن سيرين لرجل في شيء سأله عنه:"لا أعلم به بأسًا"، ثم قال له:"إني لم أقل لك: لا بأس به ، إنما قلت: لا أعلم به بأسًا" [1] .
قلت: لكن حين تبين لنا المراد بالتعديل بها في حق النقلة ، وعلمنا أن الناقد قد عنى التعديل ، لم يؤثر ما للفظ اللغوي من دلالة .
وأرى مثلها قول أحمد بن حنبل في جماعة من الرواة: ( لا أعلم إلا خيرًا ) ، فقد تتبعتها فوجدته لا يكاد يقولها إلا في ثقة أو صدوق ، وندر منه قولها في مجروح ينزل عن درجة الاعتبار .
وذلك كالذي نقل الميموني عن أحمد في ( الحكم بن عطية ) قال:"لا أعلم إلا خيرًا"، فقال له رجل: حدثني فلان عنه عن ثابت عن أنس ، قال: كان مهر أم سلمة متاعًا قيمته عشرة دراهم ، فأقبل أبو عبد الله يتعجب ، وقال:"هؤلاء الشيوخ لم يكونوا يكتبون ، إنما كانوا يحفظون ، ونسبوا إلى الوهم ، أحدهم يسمع الشيء فيتوهم فيه" [2] .
وكان أحمد بعد ذلك إذا سئل عنه لينه ، كما قال له المروذي: الحكم بن عطية ، كيف هو ؟ قال: البصري ؟ قلت: نعم ، الذي روى عن ثابت ، قال:"كان عندي ليس به بأس ، ثم بلغني أنه حدث بأحاديث مناكير"وكأنه ضعفه [3] .
قلت: وفي هذا من الفائدة دلالة على أنه قوله في الراوي: ( لا أعلم إلا خيرًا ) تعديل يساوي قوله: ( ليس به بأس ) .
أما عن غير أحمد من سائر النقاد ، فندر استعمال هذه اللفظة في كلامهم .
ـــــــــــــــــ
(1) - أخرجه ابنُ سعد في"الطبقات" ( 7 / 196 ) وأبو زُرعة الدمشقي في"تاريخه" ( 2 / 683 ) وأبو نُعيم في"الحلية" ( 2 / 299 رقم: 2288 ) وإسناده صحيح .
(2) - تهذيب التهذيب ( 1 / 468 ) .
(3) - العلل ، رواية المروذي ( النص: 165 ) .