فهرس الكتاب

الصفحة 492 من 549

أفما لك عقل يا عقيلي، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدِّثٌ، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له، وأكمل لرتبته، وأدلَّ على اعتنائه بعلم الاثر، وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك، فانظر أول شيء إلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبار والصغار، ما فيهم أحد إلا وقد انفرد بسنَّة، فيقال له: هذا الحديث لا يتابع عليه، وكذلك التابعون، كلُّ واحد عنده ما ليس عند الآخر من العلم، وما الغرضُ هذا، فإن هذا مقررُ على ما ينبغي في علم الحديث.

وإنْ تفرد الثقةُ المتقن يعدُّ صحيحا غريبا.

وإنْ تفرد الصدوقُ ومن دونه يعدُّ منكرا.

وإنَّ إكثار الراوى من الأحاديث التي لا يوافَق عليها لفظًا أو إسنادًا يصيِّره متروكَ الحديث، ثم ما كلُّ أحدٍ فيه بدعة أو له هفوةٌ أو ذنوبٌ يقدحُ فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ، ولكن فائدة ذكرنا كثيرا من الثقات الذين فيهم أدنى بدعة ،أو لهم أوهامٌ يسيرة في سعة علمهم أن يعرف أنَّ غيرهم أرجحُ منهم وأوثقُ إذا عارضَهم أو خالفَهم، فزنِ الأشياءَ بالعدلِ والورعِ.

وأمَّا علي بن المدينى فإليه المنتهى في معرفة علل الحديث النبوي، مع كمال المعرفة بنقد الرجال، وسعة الحفظ والتبحر في هذا الشأن، بل لعله فرد زمانه في معناه." [1] "

ـــــــــــــــــ

(1) - ميزان الاعتدال - (ج 3 / ص 140) فما بعد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت