وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا ،وكنت أنا كثير الملازمة للذهبي أمضي إليه في كل يوم مرتين بكرة والعصر، وأمَّا المزي فما كنت أمضي إليه غير مرتين في الأسبوع، وكان سبب ذلك أن الذهبي كان كثير الملاطفة لي والمحبة فيَّ بحيث يعرف من عرف حال معه أنه لم يكن يحبُّ أحدا كمحبته فيَّ، وكنت أنا شابا فيقع ذلك مني موقعا عظيمًا، وأمَّا المزي فكان رجلا عبوسا مهيبا، وكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس أعني يحبُّ أن ألازم المزي أكثر من ملازمة الذهبي لعظمة المزي عنده. [1]
(1) - انظر يا رعاك الله على هذا الأدب الجم ، فمع اختلافه مع الإمام الذهبي لم يمنع ابنه من الانتفاع به ، وحضور مجالسه ، وهذا إن دلَّ على شبء فإنما يدلُّ على تدخل القدر في ذلك ، ففي صحيح البخارى (4949 ) عَنْ عَلِىٍّ - رضى الله عنه - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِى جَنَازَةٍ فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ فَقَالَ « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ » . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ « اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ » . ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) الآيَةَ .