وشغر مرة مكان بدار الحديث الأشرفية فنزلني فيه فعجبت من ذلك، فإنه كان لا يرى تنزيل أولاده في المدارس، وها أنا لم أل في عمري فقاهة في غير دار الحديث ولا إعادة إلا عند الشيخ الوالد ،وإنما كان يؤخرنا إلى وقت استحقاق التدريس على هذا ربانا رحمه الله، فسألته فقال ليقال: إنك كنت فقيها عند المزي.
ولما بلغ المزي ذلك أمَرهم أن يكتبوا اسمي في الطبقة العليا، فبلغ ذلك الوالد فانزعج وقال: خرجنا من الجدِّ إلى اللعب لا والله عبد الوهاب شاب ولا يستحق الآن هذه الطبقة، اكتبوا اسمه مع المبتدئين، فقال له شيخنا الذهبي: والله هو فوق هذه الدرجة وهو محدِّثٌ جيدٌ ،هذه عبارة الذهبي، فضحك الوالد وقال: يكون مع المتوسطين .
وقال الذهبي في التذكرة: إن المزي كان يقرر طريقة السَّلف في السنَّة فيعضد ذلك بقواعد كلامية ومباحث نظرية ، قال: وجرى بيننا مجادلات ومعارضات في ذلك تركها أسلم انتهى .
وكان للمزي ديانةٌ متينةٌ وعبادةٌ وسكونٌ وخيرٌ.
مولده في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة بظاهر حلب سمع منه ابن تيمية والبرزالي والذهبي وابن سيد الناس والشيخ الإمام الوالد وخلق لا يحصون ،وصنف تهذيب الكمال المجمع على أنه لم يصنف مثله وكتاب الأطراف توفي في يوم السبت ثاني عشر صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة بدار الحديث الأشرفية ودفن بمقابر الصوفية اهـ [1]
وحيث إن الكتاب يحتاج إلى تهذيب وإكمال وتحرير؛ فقد قام الحافظ الشهير أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزيّ بتهذيبه وإكماله في كتاب سَمَّاه"تهذيب الكمال"وقد أجاد في هذا الكتاب وأحسن، كما وصفه الحافظ ابن حجر، لكنه أطال فيه أيضًا، ويقول ابن السبكي في وصفه: أُجْمِعَ على أنه لم يُصَنَّف مثله ولا يُستطاع.
(1) - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي - (ج 10 / ص 196) فما بعدها - 1417-