فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 516

ذلك التصرف على الجمعة. لفضل مصلحته على مصلحة أداء الجمعة، فيقدم إنقاذ الغريق، وإطفاء الحريق، على صلاة الجمعة. وكذلك يقدم الدفع عن النفوس والأبضاع على صلاة الجمعة من غير تخيير بين هذه الواجبات وبين الجمعة، بخلاف الأعذار الخفيفة المسقطة لوجوب الجمعة فإنها تخيير بين الظهر والجمعة. ولو تصرف ببيع أو هبة أو غير ذلك من التصرفات وهو ذاهب إلى الجمعة تصرفا لا يشغله عن الجمعة لم يحرم ذلك، لخروجه عن كونه وسيلة إلى ترك الجمعة. وكذا النهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر المنهي عنه، ورتبته في الفضل والثواب مبنية على رتبة درء مفسدة الفعل المنهي عنه في باب المفاسد، ثم تترتب رتبه على رتب المفاسد إلى أن تنتهي إلى أصغر الصغائر، فالنهي عن الكفر بالله أفضل من كل نهي في باب النهي عن المنكر.

فمن قدر على الجمع بين درء أعظم الفعلين مفسدة ودرء أدناهما مفسدة جمع بينهما لما ذكرناه من وجوب الجمع بين ردء المفاسد، مثل أن ينهى عن منكرين متفاوتين أو متساويين فما زاد، بكلمة واحدة. مثال المتفاوتين أن يرى إنسانا يقتل رجلا وآخر يسلب مال إنسان، فيقول لهما كفا عما تصنعان.

ومثال المتساويين أن يرى اثنين قد اجتمعا على قتل إنسان أو سلب ماله فيقول لهما كفا عن قتله أو سلبه. وكذلك يقول للجماعة كفوا عما تصنعون، وإن قدر على دفع المنكرين دفعة واحدة لزمه ذلك، وإن قدر على دفع أحدهما دفع الأفسد فالأفسد، والأرذل فالأرذل سواء قدر على دفع ذلك بيده أو بلسانه، مثل أن يتمكن الغازي من قتل واحد من المشركين بسهم ومن قتل عشرة برمية واحدة تنفذ في جميعهم، فإنه يقدم رمي العشرة على رمي الواحد، إلا أن يكون الواحد بطلا عظيم النكاية في الإسلام، حسن التدبير في الحروب: فيبدأ برميه دفعا لمفسدة بقائه، لأنها أعظم من مفسدة بقاء العشرة. وكذلك لو قدر على أن يفتح فوهة نهر على ألف من الكفار لا نجاة لهم منها وقدر على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت