قتل مائة بشيء من آلات القتال لكان فتح فوهة النهر أولى من قتل المائة لما فيه من عظم المصلحة، وإن كان فتح الفوهة أخف من قتل المائة بالسلاح. وكذلك تتفاوت كراهة المنكر بالقلوب عند العجز عن إنكاره باليد واللسان بتفاوت رتبه، فتكون كراهة الأقبح أعظم من كراهة ما دونه.
فإن علم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن أمره ونهيه لا يجديان ولا يفيدان شيئا، أو غلب على ظنه، سقط الوجوب لأنه وسيلة ويبقى الاستحباب، والوسائل تسقط بسقوط المقاصد، وقد كان صلى الله عليه وسلم يدخل إلى المسجد الحرام وفيه الأنصاب والأوثان ولم يكن ينكر ذلك كلما رآه. وكذلك لم يكن كلما رأى المشركين ينكر عليهم، وكذلك كان السلف لا ينكرون على الفسقة والظلمة فسوقهم وظلمهم وفجورهم، كلما رأوهم، مع علمهم أنه لا يجدي إنكارهم. وقد يكون من الفسقة من إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فيزداد فسوقا إلى فسوقه، وفجورا إلى فجوره، فمن أتى شيئا مختلفا في تحريمه معتقدا تحريمه وجب الإنكار عليه لانتهاك الحرمة، وذلك مثل اللعب بالشطرنج، وإن اعتقد تحليله لم يجز الإنكار عليه إلا أن يكون مأخذ المحلل ضعيفا تنقض الأحكام بمثله لبطلانه في الشرع، إذ لا ينقض إلا لكونه باطلا، وذلك كمن يطأ جارية بالإباحة معتقدا لمذهب عطاء فيجب الإنكار عليه، وإن لم يعتقد تحريما ولا تحليلا أرشد إلى اجتنابه من غير توبيخ ولا إنكار، ولا يخفى أن وسائل المكروه مكروهة، والمندوب مندوبة، والمباح مباحة. وكذلك ولاية المظالم تختلف باختلاف رتبها في المفاسد فالولاية على القتل والقطع والصلب بغير حق أقبح من الولاية على الضرب بغير حق. وكذلك الولاية على المكوس وغصب الأموال، وتضمين الخمور والأبضاع، وكذلك الإعانة على إثم وعدوان وفسوق وعصيان، وقد تجوز المعاونة على الإثم والعدوان والفسوق والعصيان لا من جهة كونه معصية، بل من جهة كونه وسيلة إلى مصلحة