لقوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} . هذا في المصائب التي لا تسبب له إليها. وأما ما تسبب إليه فإن كان من السيئات كتب عليه وأخذ به في الدنيا والآخرة، فإن من جرح إنسانا فسرى الجراح إلى نفسه كان وزر القتل وقصاصه وديته عليه، ولو ألقى على إنسان حجرا ثم مات الملقي قبل وصول الحجر على الملقى عليه فهلك بذلك الحجر بعد موت الملقي، فإنه يأثم إثم القاتلين العامدين، ويجب عليه ما يجب عليهم، مع كون القتل وقع بعد خروجه عن التكليف، لأنه لما كان القتل مسببا عن إلقائه، قدر كأنه قتله عند ابتداء إلقائه
وإن كان ما يتسبب إليه من الحسنات أجر عليه ومثاله: التسبب للقتل في سبيل الله تعالى بالجراح أو الرمي كما لو رمى سهما في كافر فأصابه السهم بعد موت الرامي فقتله كان له سلبه وأجر قتله. وكذلك إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقتل بسبب أمره ونهيه فهذا متسبب إلى قتل نفسه لله عز وجل، فيكون حكمه حكم من قتل الكفرة أو الفجرة، ولا يثاب على القتل، لأن القتل ليس من كسبه، وإنما يثاب عليه لأنه تسبب إليه بأمره ونهيه. وكذلك تسبب الغازي إلى قتل نفسه لحضوره المعركة.
فإن قيل: القتل معصية من القاتل الكافر، فكيف يتمنى الإنسان الشهادة مع أن تسببها معصية؟ فالجواب أنه ما يتمنى القتل من جهة أنه قتل وإنما تمنى أن يثبت في القتال، فإن أتى القتل على نفسه فكان ثوابه على تعرضه للقتل لا على نفس القتل الذي ليس من كسبه، وعلى هذا يجعل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} ، أي تمنون القتل في سبيل الله من قبل أن تلقوا أسبابه في يوم أحد، ويجوز أن يتمنى الإنسان القتل من جهة كونه سببا لنيل منازل الشهداء، لا من جهة كونه قتلا ومعصية، وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك، وموتا في بلد رسولك. وأما قتل أهل البغي فإنه خطأ من البغاة، ولا يثاب المقطوع على خطأ غيره، وكذا الثواب على دفع مفسدة البغي بالقتال.